حين كان الأديب العربي قديمًا يشكو بؤس حاله، كان يُقال عنه بشيء من الإشفاق «أدركته حُرفة الأدب». والحُرفة هنا ليست المهنة، بل الحرمان وسوء الحظ، كأن الأدب يمنح صاحبه الكلمة ويأخذ منه الرغيف. ولعل أوجع صور تلك الحُرفة أبو حيان التوحيدي، الذي أحرق كتبه في آخر عمره بعد أن ضاق بالفقر وجحود زمانه.
ومع ذلك بقي في الأمر عزاء؛ فالكاتب وإن عاش فقيرًا، لم يكن يُطلب منه أن يدفع ثمن الوصول إلى قارئه. ويعرف جيل كامل من الكتّاب أن الطريق إلى الصحيفة كان يبدأ برسالة إلى «بريد القراء»، ثم مقال يتيم ينتظر صاحبه أسابيع ليراه منشورًا، ثم زاوية صغيرة، ثم عمود يحمل اسمه. كان طريقًا طويلًا متعبًا، لكنه مفتوح لكل من يملك فكرة؛ لم يكن أحد يسأل الكاتب الشاب عن رصيده، بل عن جملته الأولى. هل تستحق أن تُقرأ؟
اليوم انقلبت الصورة على نحو لم يخطر لأحد. لم تعد الكتابة تُفقر صاحبها فحسب، بل صارت تشترط عليه أن يكون غنيًا قبل أن يبدأ؛ فثمة صحف باتت تطلب مقابل نشر المقال الواحد مبلغًا لا يقدر عليه ابن الطبقة الوسطى، فما بالك بمحدودي الدخل ومن هم دونهم.
ولننظر فيمن يقبل أن يدفع مثل هذا المبلغ. الغالب أنه يرى في النشر مكسبًا يتجاوز الفكرة؛ يروّج لمشروعه، أو يبحث عن صفة «كاتب» يضيفها إلى سيرته، فيُغرق الصحيفة بمقالات إنشائية لا تقول شيئًا، أو يكلّف من يكتب باسمه. وقد يكون بينهم كتّاب جادون، لكن كم ستكون نسبتهم؟ الأرجح أنها الأقل.
في المقابل، يقف خارج الصفحة كل من لا يملك المبلغ، مهما كانت قيمة ما يحمله. فالمال معيار أعمى؛ يردّ عن الباب نفسه المفكر صاحب الرؤية، والأكاديمي والمختص، والمبدع في أول طريقه، ومن يعيش المشكلة من داخلها، لسبب واحد لا علاقة له بما يكتبون. ويقف معهم قادرون يأبون أن يدفعوا ثمنًا لنشر أفكارهم. وبغياب هؤلاء جميعًا تخسر صفحة الرأي تنوعها الذي هو سبب وجودها، ويخسر المسؤول نافذة يرى منها ما لا تنقله التقارير الرسمية.
لست أجهل أن الصحف تمر بأيام عصيبة؛ فقد أوقف بعضها طبعاته الورقية أو قلّص توزيعها، وهاجر الإعلان إلى المنصات، وصار البقاء نفسه معركة يومية، ومن حقها أن تبحث عن مورد يبقيها. لكن أن تبيع الصحيفة مساحة تعلن صراحة أنها للإعلان شيء، وأن تبيع مكانًا في صفحة الرأي شيء آخر؛ فالأول تجارة مشروعة، والثاني تفريط في ثقة قارئها، وهي أثمن ما تملكه.
وبهذه السياسة تُغلق الصحف أبوابها أمام أقلامٍ كان يمكن أن تعيد إليها الحياة. فصفحة الرأي التي تدور في فلك الأسماء القديمة ذاتها، وقد استنفد بعضها رصيده الفكري، ولا تستقبل من الكتّاب الجدد إلا من يقدر على الدفع، يتعذّر عليها أن تُسهم إسهامًا فاعلًا في الحراك الثقافي والاجتماعي. ذلك أنّ القارئ لا يتطلّع إلى من يعيد تدوير أفكاره وموضوعاته، ولا إلى من دفع ليستعرض مسمّاه الجديد، بل إلى من يفيده ويوقظ فيه الأسئلة، ويكتب عن همومه ومشكلاته كما يعيشها. وإذا غابت هذه الأصوات عن الصحف، انتقلت إلى المنصات الرقمية المفتوحة، وتبعها قرّاؤها.
ولا أزعم أنّ كل من لا يملك ثمن النشر جديرٌ بأن يُقرأ، أو أنّ كل مقال يكتبه يستحق مكانه في الصفحة. فقد تُصاغ بلغة بليغة أفكار سطحية أو معلومات غير دقيقة، وقد تُسخَّر البلاغة نفسها لترويج التعصب أو العلوم الزائفة أو خطاب الكراهية. فالعبرة بحجة المقال ومعلوماته، لا بجمال عبارته ولا بقدرة صاحبه على دفع ثمن نشره. وللقارئ بعد ذلك أن يناقش ويختلف، ثم يبقى مع الزمن ما يفيد الناس.
ومع ذلك بقي في الأمر عزاء؛ فالكاتب وإن عاش فقيرًا، لم يكن يُطلب منه أن يدفع ثمن الوصول إلى قارئه. ويعرف جيل كامل من الكتّاب أن الطريق إلى الصحيفة كان يبدأ برسالة إلى «بريد القراء»، ثم مقال يتيم ينتظر صاحبه أسابيع ليراه منشورًا، ثم زاوية صغيرة، ثم عمود يحمل اسمه. كان طريقًا طويلًا متعبًا، لكنه مفتوح لكل من يملك فكرة؛ لم يكن أحد يسأل الكاتب الشاب عن رصيده، بل عن جملته الأولى. هل تستحق أن تُقرأ؟
اليوم انقلبت الصورة على نحو لم يخطر لأحد. لم تعد الكتابة تُفقر صاحبها فحسب، بل صارت تشترط عليه أن يكون غنيًا قبل أن يبدأ؛ فثمة صحف باتت تطلب مقابل نشر المقال الواحد مبلغًا لا يقدر عليه ابن الطبقة الوسطى، فما بالك بمحدودي الدخل ومن هم دونهم.
ولننظر فيمن يقبل أن يدفع مثل هذا المبلغ. الغالب أنه يرى في النشر مكسبًا يتجاوز الفكرة؛ يروّج لمشروعه، أو يبحث عن صفة «كاتب» يضيفها إلى سيرته، فيُغرق الصحيفة بمقالات إنشائية لا تقول شيئًا، أو يكلّف من يكتب باسمه. وقد يكون بينهم كتّاب جادون، لكن كم ستكون نسبتهم؟ الأرجح أنها الأقل.
في المقابل، يقف خارج الصفحة كل من لا يملك المبلغ، مهما كانت قيمة ما يحمله. فالمال معيار أعمى؛ يردّ عن الباب نفسه المفكر صاحب الرؤية، والأكاديمي والمختص، والمبدع في أول طريقه، ومن يعيش المشكلة من داخلها، لسبب واحد لا علاقة له بما يكتبون. ويقف معهم قادرون يأبون أن يدفعوا ثمنًا لنشر أفكارهم. وبغياب هؤلاء جميعًا تخسر صفحة الرأي تنوعها الذي هو سبب وجودها، ويخسر المسؤول نافذة يرى منها ما لا تنقله التقارير الرسمية.
لست أجهل أن الصحف تمر بأيام عصيبة؛ فقد أوقف بعضها طبعاته الورقية أو قلّص توزيعها، وهاجر الإعلان إلى المنصات، وصار البقاء نفسه معركة يومية، ومن حقها أن تبحث عن مورد يبقيها. لكن أن تبيع الصحيفة مساحة تعلن صراحة أنها للإعلان شيء، وأن تبيع مكانًا في صفحة الرأي شيء آخر؛ فالأول تجارة مشروعة، والثاني تفريط في ثقة قارئها، وهي أثمن ما تملكه.
وبهذه السياسة تُغلق الصحف أبوابها أمام أقلامٍ كان يمكن أن تعيد إليها الحياة. فصفحة الرأي التي تدور في فلك الأسماء القديمة ذاتها، وقد استنفد بعضها رصيده الفكري، ولا تستقبل من الكتّاب الجدد إلا من يقدر على الدفع، يتعذّر عليها أن تُسهم إسهامًا فاعلًا في الحراك الثقافي والاجتماعي. ذلك أنّ القارئ لا يتطلّع إلى من يعيد تدوير أفكاره وموضوعاته، ولا إلى من دفع ليستعرض مسمّاه الجديد، بل إلى من يفيده ويوقظ فيه الأسئلة، ويكتب عن همومه ومشكلاته كما يعيشها. وإذا غابت هذه الأصوات عن الصحف، انتقلت إلى المنصات الرقمية المفتوحة، وتبعها قرّاؤها.
ولا أزعم أنّ كل من لا يملك ثمن النشر جديرٌ بأن يُقرأ، أو أنّ كل مقال يكتبه يستحق مكانه في الصفحة. فقد تُصاغ بلغة بليغة أفكار سطحية أو معلومات غير دقيقة، وقد تُسخَّر البلاغة نفسها لترويج التعصب أو العلوم الزائفة أو خطاب الكراهية. فالعبرة بحجة المقال ومعلوماته، لا بجمال عبارته ولا بقدرة صاحبه على دفع ثمن نشره. وللقارئ بعد ذلك أن يناقش ويختلف، ثم يبقى مع الزمن ما يفيد الناس.