اشتهرت الحضارة الإسلامية بوجود عدد كبير من الرحالة على مدى العصور الذين طافوا حول البلدان بين اليابسة والبحار، وحيث إن بعض هؤلاء الرحالة كانوا أصحاب كتابة ونثر، فقد قاموا بتدوين ما شاهدوه خلال ترحالهم وزياراتهم لتلك الدول، وهذا ما يسمى (أدب الرحلات)، فتلك الكتابات والتدوينات أبرزت أهم المعالم وكذلك أهم العادات والتقاليد التي رآها الرحالة خلال زيارتهم، وهناك الكثيرون الذين برزوا في هذا المجال، فمن منا لا يعرف الرحالة ابن بطوطة وكذلك الرحالة ابن جبير وابن فضلان وغيرهم الكثير، فالرحالة ابن بطوطة عاش سبعة وعشرين من عمره مرتحلا بين البلدان قاصا فيها من العجائب والغرائب التي شاهدها خلال أسفاره، وقد دون رحلته تلك في كتابه المشهور (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، الذي يعد من أشهر الكتب العربية بل وحتى العالمية المصنفة في أدب الرحلات، أما الرحالة ابن فضلان فقد ارتحل إلى بلاد بعيدة، فقد انطلق من عاصمة الدولة العباسية ووصل إلى أوروبا، حتى الدول الإسكندنافية، والذين كانوا يعرفون قديما بأنهم قبائل الفايكنج، وكذلك لا يُنسى الرحالة ابن جبير الأندلسي البلنسي الذي صوّر رحلته تلك التي ابتدأت من الأندلس وتحديداً مدينة غرناطة إلى مكة والمدينة بطريقة أدبية بديعة، فقد دون ما شاهده عند مروره من الأندلس إلى شمال أفريقيا مرورا بمصر حتى بلاد الحجاز، ويصعب حصر الرحلات التي خُلدت في التاريخ الإسلامي، ولكن كما يقال يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق والمكتبة التراثية مليئة بمثل هذا النوع من الفن.

أما في وقتنا الحاضر، فقد انتشر مسمى الرحَّالة بشكل كبير جدا خصوصا في مواسم السياحة في الصيف، وذلك بسبب سهولة الانتقال والسفر مقارنة عما كان عليه في السابق، وساعد على ذلك سهولة نقل تلك الصور للناس عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما قد يسمى (أدب الرحلات الجديد)، فالرحالة الآن ينطلق من بلده إلى بلدان موثقا تلك الرحلة بالتصوير وبالكتابة على القصة (السناب)، ويرى التفاعل من المتابعين من خلال التعليقات والردود، وكذلك قد يرى تعليقا يساعده في تحديد أفضل الأماكن، وماهي أهم معالم المدينة المراد زيارتها، وهذه الطريقة في التواصل تفيد الرحالة نفسه، فقد يكتشف أن هناك مكانا يستحق الزيارة وذلك من خلال توصيات المتابعين. إذن كم هو جميل لو حاول الرحالة أوالمسافر الباحث عن الاستكشاف والمغامرة أن يدون أبرز اللحظات والمغامرات التي عايشها أثناء سفره، فكم سيكون جميلا عندما يشاهد الجبال تلفها الأشجار وعندما يشاهد البحر بشواطئه الساحرة، أن يخرج هذا المسافر ما لديه من مكنونات النفس إما بقلمه أو بالجوال، عندها ستكون لتلك المكتوبات ذكرى خالدة، وربما اكتشف أنه يستطيع كتابة المزيد، فعند ذلك يصبح صاحب شهرة بين زملائه، وقد يتطور إلى أن يكون ذلك الرحالة (ابن بطوطة) زمانه.