ثمة أرواح لا تمرّ في مساحاتنا عبوراً عادياً، بل تحفر في الوجدان أثراً أبدياً لا يُمحى؛ تهبُّ كريحٍ توقظ في أعماقنا ما انطفأ منذ دهر، وتزرع فينا يقيناً بأن الأرض، برغم كل هذا الجمود، لا تزال صالحة للمعجزات.
إنهم أولئك الذين يحملون جسارة المحارب، لا لغياب الخوف عن مسارهم، بل لأنهم خُلقوا من طينةٍ لا تنحني للعواصف. يسقطون واقفين، يدميهم النزف فيمضون بكبرياء صامت لا يبتغي تصفيق الحشود، يبتلعون وجعهم كأن شيئاً لم يكن، لأنهم اعتادوا أن يكونوا هم السند والوجهة والملاذ.
نُبهر بقوتهم، نلوذ بظلّ بأسهم، ونشعر بأن مجرد حضورهم يمنح العالم ثقلاً ووقاراً. غير أننا ننسى، في غمرة انبهارنا، أن أشدّ القلوب مهابة وأقواها مراساً ليست منحوتة من صخر؛ وأن الذي يُعلّم الناس كيف يقفون بوجه الريح، قد يكون أشدّهم عطشاً لصوتٍ يهمس في عتمته: لستَ وحدك.. ولستَ مضطراً لأن تخوض حرب الكون كل يوم كي تظل عظيماً.
شتان بين الانبهار السطحيّ والإيمان العتيق. الانبهار ينتظر لمعان الدروع وضجيج الانتصارات، أما الإيمان الروحي فيراك في تعبك، في انكسارك المستتر خلف عينيك، وفي انطفائك الذي تواريه عن الخلق؛ ومع ذلك يراك الأبهى والأعظم دون شائبة شك.. لا يعشق فيك هيبتك في العلوّ فحسب، بل يتّسع لظلك، لصمتك الثقيل، ولهدنتك التي تخاف أن تبوح بها لأحد.
ما أقسى أن يُحاصر المرء داخل صورته «الأسطورية» أن يُراد منه أن يكون بطلاً أبدياً، وأن ينتظر الجميع نجدته بينما تتلاطم في صدره أمواج لا يدري بها سواه!
ولعل أعظم ما يحتاجه هذا المحارب ليس راية فوزٍ جديدة، بل ملاذاً آمناً يجرّده من سلاحه دون خوف؛ يداً تطمئنه بأن قيمته ليست مشروطة بانتصاراته، وصوتاً يهمس في عمق فؤاده: أعلم قدرتك على هزم المستحيل، لكنك هنا لست بحاجة إلى إثبات أي شيء.. أنا أراك، أفهمك، وأؤمن بك حتى حين تضيق بك الأرض بما رحبت.
أتأمل دوماً في تلك السلالة النادرة من الأرواح.. تلك التي لم تُخلق للقاع يوماً، بل خُلقت طليقة، شاهقة، لا ترضى بغير السماء موطناً. تلك التي تجري في عروقها شهامة الصقور وهيبتها الفطرية؛ لا تُصدر ضجيجاً لتثبت سيادتها، كأنها ما وُجدت إلا لتعتلي القمم وتشقّ عنان السحاب بكبرياءٍ صامت لا يلين.
لكن، حتى الصقر الذي اعتاد التحليق فوق أعتى العواصف، يحتاج إلى لحظة سكون يطوي فيها جناحيه الحُرّين ليستريح من ثقل الهواء وعناء المسافات.
وليس كل هبوط انكساراً، ولا كل نزول عن القمة تراجعاً. إن منتهى الحكمة أحياناً أن يهدأ التحليق قليلاً، لتلتقط أنفاسك في سماءٍ تخصّك وحدك، ثم تعود للعلوّ لا طلباً لإثبات براعتك لأحد، بل لأن العلوّ هو قدرك الذي وُلدت لأجله!
فيا صاحب الروح الحرة، لا تجعل شموخك سجناً يُحرمك من السكينة؛ السماء ملكك حتى وإن أنهكك المدى، وقدرك محفور في نبض من يعرف حقيقتك، لا يتغير ولا ينقص.
إلى الروح التي علّمت غيرها كيف ينهض من رماده:
قد لا تدرك كم سكبتَ من الأمان والقوة في أرواحٍ أضناها التيه، ولا كيف كنتَ الأثر الأعمق الذي أعاد للقلوب نبضها وثقتها في الحياة.
حين تشتدّ عليك الأيام، تذكّر أن لحظة التعب لا تختزل تاريخك، وأن السكون لا يمضي بك بعيداً عن مجدك، والتعافي ليس تراجعاً، بل ولادة جديدة لأفقٍ أوسع.
كن كما أنت؛ كبيراً في شموخك، رحيماً بروحك. لا تستهلك عمرك في إرضاء نظرات الواقفين على حوافّ مسارك.. فبعض الأرواح نادرة إلى الحدّ الذي لا نرجو لها مجرد النجاة من الريح، بل نرجو ألا يُنسيها صخب المعارك طهر معدنها، ولا كم هي عظيمة ومقدسة في أعيننا.
بعض الأرواح، مهما استنزفها هذا العالم، تظلّ دوماً في سماء القلب سامية، متفرّدة، كأنها خُلقت لتحلّق، وكأن العلوّ خُلق ليحمل اسمها للأبد!