ولنا في ذاكرة التاريخ الأدبي شاهدٌ لا يغيب، ليثبت هذه المعادلة المريرة؛ ألم ترَ إلى الأديب أحمد حسن الزيات حين راودته فكرة مجلة «الرسالة»؟ في مساء من نوفمبر عام 1932، باغت صديقه الدكتور طه حسين قائلاً: «ما رأيك في مجلة للأدب الرفيع؟»، فحينها قهقه العميد طويلاً، مستنكراً هذه الجرأة، وقال: «وهل تجد لرفيع الأدب قراءً في مجتمع ثقافته أوروبية وعقليته أميّة، لا يقرأ إلا الخفيف والخليع؟». وبعد نقاش طويل انتهى إلى قولته الحاسمة: «أنت وشأنك! أما شأني فهو المقال الذي أكتبه وأراه». فنهض الزيات بالفكرة وحده، وصدر العدد الأول في يناير 1933، فتهافت عليه القراء، وحفل بأقلام كبار الكتاب؛ مثل طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي.
وأعلم تماماً أن ما أكتبه قد مرّ على كثيرين بمثل هذا؛ وبعضهم ما إن واجه تلك النظرات الغريبة حتى تراجع عن فكرته، والحق أن هذا جُرم فادح في حق النفس. فكما يذكر أستاذ علم الاجتماع الدكتور فضل الربيعي في كتابه «التغير الاجتماعي»، فإن من أبرز معوّقات التغير الاجتماعي الخوفُ من المجهول غير المألوف؛ إذ يرى البعض أن الجديد شيء مجهول، ولا سيما الذين يخشون أن يهدد التغيرُ مصالحَهم ومكانتَهم في المجتمع. فالعقول التي اعتادت الركود والاعتياد، ترى في كل جديد تهديداً لمكانتها ومصالحها، فتقاومه قبل أن تفهمه.
ولست أطالبكم بتبني أفكار عمياء، أو أن كل من يرفض فكرة فهو جاهل أو خائف، كلا؛ فمن الناس من يقاوم التغيير لأنه يرى أن التغيرات تصيبه بخسائر، مثل مراكز سلطته أو طرائق حصوله على الموارد؛ فبعض الرفض مشروع لحماية المصالح. ولكن الأجدر بكم أن تتحلوا بشيء من العقلانية في الرفض، وألا يكون الرفض لمجرد الرفض، بل لأنكم أتممتم مدارسة الفكرة ووجدتم خللاً في منطقها، وحين تفنّدونها، لا تشنّعوا على صاحبها؛ فإنكم بذلك تكونون قد عجزتم عن مجاراتها.
وكما يرى عالم الاجتماع «هربرت بلومر»، إن تبنّي الأفكار الجماعية الجديدة يمر بمراحل من التلقي والاهتمام والتقييم قبل أن ينتهي إلى القبول أو الرفض. ولعل الفكرة التي يستنكرها الناس اليوم لا تزال في طور اختبارها، ولم تنل بعد ما يكفي من الفهم والحوار؛ فلا تجعلوا من استغراب الآخرين حكماً على جدوى أفكاركم، ولا من أحكامهم سقفاً لطموحاتكم، فالأصالة والتجديد لا يعنيان الصواب بالضرورة، كما أن غرابة الفكرة لا تكفي دليلاً على خطئها؛ تمسّكوا بحق أفكاركم في الاختبار، وافتحوا لها أبواب النقد، ولا تستعجلوا الحكم على ما لم يُستوفَ النظر فيه.
فما أكثر الأفكار التي بدأت في مجالس الاستنكار ثم انتهت إلى صفحات التاريخ، وما أكثر الأفكار التي لاقت التهليل ثم ذابت كما يذوب الزبد! وبين هذين الطرفين، تبقى العقول الكبيرة وحدها هي التي تفتح للأفكار أبواب الاختبار.