لم يكن اختطاف الدولة اليمنية وتدمير مؤسساتها سوى الفصل الأول في رواية التمدد والاعتداء التي خططت لها جماعة الحوثي؛ فسرعان ما فاضت حدود العدوانية الحوثية لتتجاوز الجغرافيا اليمنية، وتتحول الجماعة إلى منصة استهداف عابرة للحدود تتربص بأمن واستقرار دول الجوار العربي والمنطقة بأسرها. تستند هذه الجماعة في تحركاتها إلى عقيدة متطرفة قائمة على استباحة الحدود الوطنية وانتقاص مفهوم السيادة، حيث تُسخّر المقدرات والجغرافيا اليمنية لتنفيذ مشروع أيديولوجي توسعي لا يعترف بالمواثيق الدولية أو القوانين المنظمة للعلاقات بين الدول. ولم تكن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي انطلقت من الأراضي اليمنية مجرد أسلحة في نزاع داخلي، بل كانت أدوات رعب مُمنهجة وجّهت أسنّتها نحو قلوب المدن الحدودية، والمطارات المدنية، وشرايين الطاقة الحيوية لدى دول الجوار، صانعةً مسارًا ملطخًا بالانتهاكات الصارخة للقانون الدولي والإنساني.

ولم يكن هذا العدوان الخارجي بمعزلٍ عن أبشع الجرائم والإرهاب الممارس بحق الشعب اليمني نفسه؛ إذ عمدت الجماعة، ضمن منهجيتها العقائدية، إلى تجريف المجتمع الداخلي وتحويل الفئات الأكثر هشاشة إلى حطب لحروبها. وكان استغلال الأطفال وتجنيدهم قسرًا واحدًا من أكثر المشاهد قسوة وإيلامًا، حيث اقتُطع الأطفال من مقاعد الدراسة وجُرّدوا من حقهم في النمو والتعليم ليُدفع بهم إلى خطوط المواجهة الأولى وكدروع بشرية في محرقة الصراع. ترافق ذلك مع جرائم إرهابية متواصلة تمثلت في زرع ملايين الألغام العشوائية، والتنكيل بالمعارضين، واختطاف المدنيين، وقصف المدن اليمنية الآهلة بالسكان، ليصبح المواطن اليمني الضحية الأولى لهذه العقيدة التي لا ترى في الإنسان سوى أداة وقود لمعاركها العسكرية والسياسية.

ومع كل صواريخ تُطلق باتجاه المطارات المدنية والمشاريع التنموية لدى دول الجوار، أو تسقط على الأحياء السكنية المأهولة في القرى والمدن الحدودية، كانت الميليشيا تجاهر بضرب كل المواثيق والأعراف الدولية بعرض الحائط. لم تفرق هذه الضربات العشوائية بين هدف عسكري ومدني غافل، بل حولت حياة الأبرياء والمقيمين من مختلف الجنسيات إلى أهداف في مرمى النيران الحوثية، ورسخّت واقعًا من الإرهاب الممنهج الذي يحاول فرض معادلات قسرية بقوة السلاح.


ولم يتوقف هذا المسار العدائي عند التخوم البرية أو السماء المفتوحة، بل امتدت أذرعه لتخنق أمن الملاحة والتجارة العالمية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم. حيث استحال البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى عرضة للمغامرات العسكرية، والقرصنة البحرية، وزرع الألغام العشوائية التي هددت حركة ناقلات النفط والسفن التجارية. وبذلك، تحول السلوك الحوثي من مجرد تهديد جيرانه المباشرين إلى عملية ابتزاز صريحة للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، مؤكدًا أن خطورة هذه الميليشيا تتجاوز النطاق المحلي لتطال شريان الحياة الاقتصادية للعالم أجمع.

تتجلى هذه النزعة التخريبية بأوضح صورها في الاستهداف المباشر لأسواق الطاقة العالمية ومجمعات التكرير ومعامل المعالجة النفطية الرئيسية في المنطقة. لقد أثبتت تلك الانتهاكات أن الجماعة لا تتحرك وفق حسابات وطنية يمنية، بل كأداة طيّعة لتنفيذ أجندات إقليمية عابرة للحدود، تهدف إلى إرباك الاقتصاد الإقليمي والدولي وإشاعة حالة دائمة من عدم الاستقرار. لقد حُوّلت جغرافيا اليمن وتضاريسه إلى ثكنات عسكرية ومستودعات أسلحة، على حساب مقدرات الشعب المغلوب على أمره، مما ينذر باستمرار حالة الصراع والاضطراب لسنوات قادمة إن لم يواجه هذا السلوك بردع دولي حاسم.

أمام هذا التصعيد الخطير والمستمر والجرائم الممتدة من الداخل اليمني إلى محيطه الإقليمي والدولي، يتطلب هذا المشهد العاصف تحركًا عاجلًا وجادًا يخرج من أطر الإدانة اللفظية إلى فرض قرارات ملزمة وصارمة تُدين هذه الجماعة بشكل واضح ومباشر، وتجفف منابع تدفق الأسلحة والتقنيات العسكرية إليها. كما يقتضي العدل الدولي تفعيل آليات الملاحقة القضائية الجنائية ضد قيادات الجماعة الإرهابية ومخططي هذه الاعتداءات ومسؤولي عمليات تجنيد الأطفال والجرائم الإرهابية، وإدراجهم على قوائم الإرهاب الدولية وملاحقتهم أمام المحاكم الدولية كمرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، صونًا لسيادة الدول، وحمايةً للأرواح، واستعادةً للأمن والسلم الدوليين اللذين باتا في مرمى صواريخ هذه الميليشيا.