ليس أشقَّ على الإنسان من أن يقف في موضعٍ يُهان فيه، ثم يُطالَب بأن يبتسم، ولا أمرَّ على النفس من أن تضطرَّ إلى استجداء ما كان ينبغي أن يُمنح لها عفوًا، أو أن تشرح كرامتها لمن اتخذ من جرحها سبيلًا إلى إرضاء غروره. ولعلَّ من أعظم مآسي الإنسان أن يُبتلى بموقفٍ يكون فيه بقاؤه انكسارًا، ورحيله وجعًا، وصمته تجرُّعًا للمرارة، وكلامه انحدارًا إلى ما تأباه مروءته.
وعزَّة النفس ليست ذلك الترفُّع الذي يُخفي وراءه قلبًا متكبِّرًا، ولا ذلك الجفاء الذي يتزيّن بزيِّ القوة، وإنما هي شعورٌ عميق بأن للمرء من نفسه حرمةً لا ينبغي أن تُنتهك، وأن له من كرامته حقًّا لا يجوز أن يُساوِم عليه، وأن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرةً من دون أن يخسر نفسه، ولكنه متى خسر احترامه لذاته، فبأيِّ شيءٍ يعوِّض ما فقد؟
بعض الناس يظنُّون أن حفظ ماء الوجه لا يكون إلا بانتصار المرء في خصومة، أو بقدرته على ردِّ الإساءة بمثلها، أو بإجبار الآخرين على الاعتراف بفضله ومكانته. وما علموا أن المرء قد ينتصر في الخصومة ويُهزم في أخلاقه، وقد يُفحم خصمه بالحجَّة، ثم يخرج من الموقف مثقلًا بندامة كلمةٍ قالها، أو قسوةٍ أطلقها، أو كرامةٍ أراقها في سبيل أن يبدو قويًّا أمام الناس.
وليس كلُّ من سكت عاجزًا، ولا كلُّ من انصرف مهزومًا، ولا كلُّ من آثر الصمت خاليَ الوفاض من الحجج. فثمَّة صمتٌ يُولد من الحكمة، وانصرافٌ يصدر عن كرامة، واعتذارٌ لا يدلُّ على ضعف، كما أن ثمَّة كلامًا كثيرًا لا يُخفي إلا خواء صاحبه، وإصرارًا لا يكشف إلا عن عجزه عن احتمال الخسارة.
ما أرفع الإنسان حين يعرف متى يتكلَّم، ومتى يُمسك عن الكلام، ومتى يُقبل على الناس بقلبٍ مفتوح، ومتى يُغلق الباب في هدوءٍ لا ضجيج فيه! إنَّه لا يفعل ذلك كراهيةً للناس، ولا احتقارًا لهم، ولكنه أدرك أن بعض الأبواب لا ينبغي أن يُطرَق طويلًا، وأن بعض القلوب لا تُستصلح بكثرة العتاب، وأن من الناس مَن إذا رأى منك تسامحًا ظنَّه ضعفًا، وإذا رأى منك وفاءً حسبه حاجة، وإذا رأى منك صبرًا توهَّم أنَّك لا تستطيع الرحيل.
وما أقسى أن يضطرَّ المرء إلى تعليم الآخرين كيف يعاملونه! أن يشرح لهم أن الكلمة الجارحة تؤلمه، وأن التجاهل يترك في نفسه أثرًا، وأنه حين يمنحهم من وقته واهتمامه إنما يمنحهم شيئًا من عمره الذي لا يعود. ثم يعود فيشرح، ويعاتب، ويسترضي، ويمنح الفرصة تلو الفرصة، حتى يجد نفسه ذات يومٍ قد استنفد من روحه ما كان يكفيه ليعيش مطمئنًّا، وأنفق من كرامته ما لا يجوز أن يكون ثمنًا لبقاء أحد.
وليس العتاب مذلَّةً في ذاته؛ فالعتاب لغة المحبِّين، ووسيلة العقلاء، ودليلٌ على أن في النفس بقيةً من أمل. ولكن المذلَّة أن يتحوَّل العتاب إلى استجداء، وأن يصير التماس التقدير عادةً، وأن يظلَّ المرء يستخرج من الآخرين اعترافًا بقيمته كما يستخرج الفقير صدقةً من يدٍ لا تريد أن تعطي.
إذا بلغ المرء هذا المقام، فليتأمَّل قلبه قليلًا؛ فإنَّ النفس التي أرهقها الانتظار تحتاج إلى رحمة، والروح التي أتعبها التبرير تحتاج إلى سكينة، والكرامة التي أُجبرت على الوقوف طويلًا أمام الأبواب المغلقة تحتاج إلى يدٍ حانيةٍ تأخذ بها بعيدًا عن مواضع الهوان.
وليس معنى ذلك أن يُغلق الإنسان قلبه، أو أن يتَّخذ من الكبرياء حصنًا يحتمي وراءه من كلِّ عتاب، أو أن يقطع حبال الودِّ عند أول زلَّة؛ فالنبل أن نعذر، والحكمة أن نتبيَّن، والوفاء أن نمنح الفرص حين يكون للفرصة معنى. ولكنَّ النبل نفسه يقتضي ألَّا يتحوَّل العذر إلى إقامةٍ دائمةٍ في موضع الأذى، وألَّا يصير الوفاء حبلًا يُشدُّ به المرء إلى ما يُهين روحه.
إنَّ حفظ ماء الوجه لا يعني أن يخرج المرء من كلِّ موقفٍ رابحًا في أعين الناس، بل أن يخرج منه قادرًا على النظر إلى نفسه من غير خجل. وقد يضطرُّ إلى الاعتراف بخطئه، أو ردِّ حقٍّ إلى صاحبه، أو الاعتذار عمَّا بدر منه؛ فلا تنقصه هذه المواقف شيئًا، بل ترفعه، لأنَّ الكرامة لا تُصان بإنكار الخطأ، وإنما تُصان بالشجاعة في مواجهته.
غير أنَّ ثمة فرقًا بعيدًا بين أن تعتذر عن خطأ ارتكبتَه، وأن تعتذر عن كرامةٍ لم تنتهك بها حقًّا لأحد؛ وبين أن تتواضع للحقِّ، وأن تنحني للباطل؛ وبين أن تحفظ للناس أقدارهم، وأن تسمح لهم بأن يجعلوا من قدرك أمرًا خاضعًا لأهوائهم.
وكم من إنسانٍ ظلَّ يركض خلف رضا الآخرين حتى نسي أن يسأل نفسه: ومتى أرضى أنا عن حياتي؟ وكم من شخصٍ بالغ في الحفاظ على صورةٍ جميلةٍ له في أعين الناس، حتى شوَّه صورته في مرآة نفسه! إنَّ المرء قد يحتمل أن يُساء فهمه، وقد يصبر على أن يُتَّهم بما ليس فيه، ولكنَّه لا ينبغي أن يقضي عمره كلَّه في الدفاع عن نفسه أمام كلِّ ظنٍّ، وتصحيح صورته لدى كلِّ عابر؛ فبعض المعارك لا تُربح بكثرة الدفاع، بل بترك الأيام تقول كلمتها.
ولعلَّ أجمل ما يتعلَّمه الإنسان بعد طول التجربة أنَّ قيمته لا يحدِّدها مَن أقبل عليه، ولا تنقصها يدٌ أعرضت عنه، وأنَّ المحبَّة التي تستلزم إذلال النفس ليست محبَّةً تستحقُّ أن يُضحَّى لأجلها بالطمأنينة، وأنَّ المكان الذي لا يتَّسع لكرامته لا ينبغي أن يُقيم فيه طويلًا، مهما كان عزيزًا على قلبه.
وعزَّة النفس ليست ذلك الترفُّع الذي يُخفي وراءه قلبًا متكبِّرًا، ولا ذلك الجفاء الذي يتزيّن بزيِّ القوة، وإنما هي شعورٌ عميق بأن للمرء من نفسه حرمةً لا ينبغي أن تُنتهك، وأن له من كرامته حقًّا لا يجوز أن يُساوِم عليه، وأن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرةً من دون أن يخسر نفسه، ولكنه متى خسر احترامه لذاته، فبأيِّ شيءٍ يعوِّض ما فقد؟
بعض الناس يظنُّون أن حفظ ماء الوجه لا يكون إلا بانتصار المرء في خصومة، أو بقدرته على ردِّ الإساءة بمثلها، أو بإجبار الآخرين على الاعتراف بفضله ومكانته. وما علموا أن المرء قد ينتصر في الخصومة ويُهزم في أخلاقه، وقد يُفحم خصمه بالحجَّة، ثم يخرج من الموقف مثقلًا بندامة كلمةٍ قالها، أو قسوةٍ أطلقها، أو كرامةٍ أراقها في سبيل أن يبدو قويًّا أمام الناس.
وليس كلُّ من سكت عاجزًا، ولا كلُّ من انصرف مهزومًا، ولا كلُّ من آثر الصمت خاليَ الوفاض من الحجج. فثمَّة صمتٌ يُولد من الحكمة، وانصرافٌ يصدر عن كرامة، واعتذارٌ لا يدلُّ على ضعف، كما أن ثمَّة كلامًا كثيرًا لا يُخفي إلا خواء صاحبه، وإصرارًا لا يكشف إلا عن عجزه عن احتمال الخسارة.
ما أرفع الإنسان حين يعرف متى يتكلَّم، ومتى يُمسك عن الكلام، ومتى يُقبل على الناس بقلبٍ مفتوح، ومتى يُغلق الباب في هدوءٍ لا ضجيج فيه! إنَّه لا يفعل ذلك كراهيةً للناس، ولا احتقارًا لهم، ولكنه أدرك أن بعض الأبواب لا ينبغي أن يُطرَق طويلًا، وأن بعض القلوب لا تُستصلح بكثرة العتاب، وأن من الناس مَن إذا رأى منك تسامحًا ظنَّه ضعفًا، وإذا رأى منك وفاءً حسبه حاجة، وإذا رأى منك صبرًا توهَّم أنَّك لا تستطيع الرحيل.
وما أقسى أن يضطرَّ المرء إلى تعليم الآخرين كيف يعاملونه! أن يشرح لهم أن الكلمة الجارحة تؤلمه، وأن التجاهل يترك في نفسه أثرًا، وأنه حين يمنحهم من وقته واهتمامه إنما يمنحهم شيئًا من عمره الذي لا يعود. ثم يعود فيشرح، ويعاتب، ويسترضي، ويمنح الفرصة تلو الفرصة، حتى يجد نفسه ذات يومٍ قد استنفد من روحه ما كان يكفيه ليعيش مطمئنًّا، وأنفق من كرامته ما لا يجوز أن يكون ثمنًا لبقاء أحد.
وليس العتاب مذلَّةً في ذاته؛ فالعتاب لغة المحبِّين، ووسيلة العقلاء، ودليلٌ على أن في النفس بقيةً من أمل. ولكن المذلَّة أن يتحوَّل العتاب إلى استجداء، وأن يصير التماس التقدير عادةً، وأن يظلَّ المرء يستخرج من الآخرين اعترافًا بقيمته كما يستخرج الفقير صدقةً من يدٍ لا تريد أن تعطي.
إذا بلغ المرء هذا المقام، فليتأمَّل قلبه قليلًا؛ فإنَّ النفس التي أرهقها الانتظار تحتاج إلى رحمة، والروح التي أتعبها التبرير تحتاج إلى سكينة، والكرامة التي أُجبرت على الوقوف طويلًا أمام الأبواب المغلقة تحتاج إلى يدٍ حانيةٍ تأخذ بها بعيدًا عن مواضع الهوان.
وليس معنى ذلك أن يُغلق الإنسان قلبه، أو أن يتَّخذ من الكبرياء حصنًا يحتمي وراءه من كلِّ عتاب، أو أن يقطع حبال الودِّ عند أول زلَّة؛ فالنبل أن نعذر، والحكمة أن نتبيَّن، والوفاء أن نمنح الفرص حين يكون للفرصة معنى. ولكنَّ النبل نفسه يقتضي ألَّا يتحوَّل العذر إلى إقامةٍ دائمةٍ في موضع الأذى، وألَّا يصير الوفاء حبلًا يُشدُّ به المرء إلى ما يُهين روحه.
إنَّ حفظ ماء الوجه لا يعني أن يخرج المرء من كلِّ موقفٍ رابحًا في أعين الناس، بل أن يخرج منه قادرًا على النظر إلى نفسه من غير خجل. وقد يضطرُّ إلى الاعتراف بخطئه، أو ردِّ حقٍّ إلى صاحبه، أو الاعتذار عمَّا بدر منه؛ فلا تنقصه هذه المواقف شيئًا، بل ترفعه، لأنَّ الكرامة لا تُصان بإنكار الخطأ، وإنما تُصان بالشجاعة في مواجهته.
غير أنَّ ثمة فرقًا بعيدًا بين أن تعتذر عن خطأ ارتكبتَه، وأن تعتذر عن كرامةٍ لم تنتهك بها حقًّا لأحد؛ وبين أن تتواضع للحقِّ، وأن تنحني للباطل؛ وبين أن تحفظ للناس أقدارهم، وأن تسمح لهم بأن يجعلوا من قدرك أمرًا خاضعًا لأهوائهم.
وكم من إنسانٍ ظلَّ يركض خلف رضا الآخرين حتى نسي أن يسأل نفسه: ومتى أرضى أنا عن حياتي؟ وكم من شخصٍ بالغ في الحفاظ على صورةٍ جميلةٍ له في أعين الناس، حتى شوَّه صورته في مرآة نفسه! إنَّ المرء قد يحتمل أن يُساء فهمه، وقد يصبر على أن يُتَّهم بما ليس فيه، ولكنَّه لا ينبغي أن يقضي عمره كلَّه في الدفاع عن نفسه أمام كلِّ ظنٍّ، وتصحيح صورته لدى كلِّ عابر؛ فبعض المعارك لا تُربح بكثرة الدفاع، بل بترك الأيام تقول كلمتها.
ولعلَّ أجمل ما يتعلَّمه الإنسان بعد طول التجربة أنَّ قيمته لا يحدِّدها مَن أقبل عليه، ولا تنقصها يدٌ أعرضت عنه، وأنَّ المحبَّة التي تستلزم إذلال النفس ليست محبَّةً تستحقُّ أن يُضحَّى لأجلها بالطمأنينة، وأنَّ المكان الذي لا يتَّسع لكرامته لا ينبغي أن يُقيم فيه طويلًا، مهما كان عزيزًا على قلبه.