لماذا تتصدر منصات التواصل فجأة نقاشات فكرية واجتماعية، وحكايات شخصية مثيرة للجدل، في وقت تنشغل فيه دول بحروب وتحديات مصيرية؟ ولماذا تعود قضايا قديمة للواجهة، وتتحول خلال ساعات إلى معارك حادة، تستقطب الناس وتستنزف اهتمامهم؟ هل نختار فعلًا ما ننشغل به، أم أن هناك من ينجح أحيانًا في اختيار معاركنا نيابة عنا؟
تستوقفني هذه الأسئلة وأنا أتابع بعض «الترندات الأخيرة»، لا لأنني أعتقد أن كل قضية رائجة تقف وراءها مؤامرة، فالمجتمعات لا تتوقف عن الاختلاف في أوقات الأزمات، إنما لأن توقيت بعض القضايا ومستوى انتشارها يثيران تساؤلا عن الكيفية التي تتشكل بها اهتمامات الجمهور. فقد أصبحت صناعة الانتباه والتأثير في المزاج العام جزءًا من أدوات الصراع السياسي، بعدما أدركت حكومات وجماعات أن التأثير في تصورات الناس قد يكون بالغ الأهمية في إدارة الصراعات.
الحروب الحديثة لا تدور حول ما يحدث على الأرض فقط، بل تمتد إلى ما يحدث في أذهان الناس؛ ما الذي يعرفونه؟ وبم ينشغلون؟ وكيف ينظرون إلى مجتمعهم ومؤسساتهم؟ تناول باحثان في مؤسسة RAND الأمريكية، في دراسة نشرت عام 2016، نموذجًا دعائيًا يعتمد على إغراق الجمهور برسائل متلاحقة متكررة عبر قنوات متعددة، دون اشتراط اتساقها أو صدقها. فربما لا يكون المطلوب دائمًا أن نصدق رواية معينة، بل أن ننشغل بها، ونختلف حولها، ونعيد تداولها حتى تصبح قضية عامة.
لعل أكثر الموضوعات قابلية للاشتعال، تلك التي تمس الدين والهوية والعادات والثقة بالمؤسسات؛ إذ يمكن لحكاية مجهولة المصدر أو رأي فردي أن يتحول إلى جدل واسع، تتراجع خلاله الأسئلة عن صحة الرواية أمام الاصطفاف بين مؤيد ومعارض. وهنا قد يصبح الخلاف نفسه مادة قابلة للاستثمار، خصوصًا في الظروف السياسية والأمنية الحساسة.
التلاعب الرقمي ليس مجرد افتراض؛ فمعهد أكسفورد للإنترنت، وثق في تقريره 2020، حملات منظمة للتأثير في وسائل التواصل شملت 81 دولة، استخدمت حسابات آلية وهويات وهمية لتضخيم الرسائل وتوجيه النقاش العام. وتساعد خوارزميات المنصات بدورها في انتشار المحتوى المثير للغضب والفضول، حتى دون وجود جهة تديره مباشرة.
المفارقة أننا قد نكون أحرارًا في آرائنا، لكننا لسنا بالضرورة أحرارًا بالقدر نفسه في اختيار الموضوعات التي نبدي آراءنا فيها. فقد نندفع إلى نقاش محتدم، بينما يكون آخرون قد نجحوا في دفع قضية إلى واجهة اهتمامنا، أو تكون الخوارزميات قد اختارتها لنا لأنها تعرف قدرتها على إثارة انفعالاتنا.
لا يعني ذلك التشكيك في كل نقاش اجتماعي أو اعتبار الاختلاف مؤامرة، إنما إدراك الفرق بين قضية تفرض أهميتها، وأخرى تستمد حضورها من الضجيج المحيط بها. في أوقات الحروب قد لا تحتاج حملات التأثير إلى تغيير قناعات المجتمع، بقدر ما تحتاج إلى استنزاف انتباهه وإشغال الناس بعضهم ببعض، حتى تبدو خلافاتهم أكبر من تحدياتهم المشتركة.
السؤال الأهم حيال كل ترند، ليس ما موقفنا منه فحسب، بل لماذا ظهر الآن؟ ومن أين بدأت روايته؟ وهل يستحق كل ما نمنحه من وقت وغضب واهتمام؟
الوصول إلى المعلومات صار أسهل من أي وقت مضى، لكن الحفاظ على استقلال الانتباه أصبح أصعب.
تستوقفني هذه الأسئلة وأنا أتابع بعض «الترندات الأخيرة»، لا لأنني أعتقد أن كل قضية رائجة تقف وراءها مؤامرة، فالمجتمعات لا تتوقف عن الاختلاف في أوقات الأزمات، إنما لأن توقيت بعض القضايا ومستوى انتشارها يثيران تساؤلا عن الكيفية التي تتشكل بها اهتمامات الجمهور. فقد أصبحت صناعة الانتباه والتأثير في المزاج العام جزءًا من أدوات الصراع السياسي، بعدما أدركت حكومات وجماعات أن التأثير في تصورات الناس قد يكون بالغ الأهمية في إدارة الصراعات.
الحروب الحديثة لا تدور حول ما يحدث على الأرض فقط، بل تمتد إلى ما يحدث في أذهان الناس؛ ما الذي يعرفونه؟ وبم ينشغلون؟ وكيف ينظرون إلى مجتمعهم ومؤسساتهم؟ تناول باحثان في مؤسسة RAND الأمريكية، في دراسة نشرت عام 2016، نموذجًا دعائيًا يعتمد على إغراق الجمهور برسائل متلاحقة متكررة عبر قنوات متعددة، دون اشتراط اتساقها أو صدقها. فربما لا يكون المطلوب دائمًا أن نصدق رواية معينة، بل أن ننشغل بها، ونختلف حولها، ونعيد تداولها حتى تصبح قضية عامة.
لعل أكثر الموضوعات قابلية للاشتعال، تلك التي تمس الدين والهوية والعادات والثقة بالمؤسسات؛ إذ يمكن لحكاية مجهولة المصدر أو رأي فردي أن يتحول إلى جدل واسع، تتراجع خلاله الأسئلة عن صحة الرواية أمام الاصطفاف بين مؤيد ومعارض. وهنا قد يصبح الخلاف نفسه مادة قابلة للاستثمار، خصوصًا في الظروف السياسية والأمنية الحساسة.
التلاعب الرقمي ليس مجرد افتراض؛ فمعهد أكسفورد للإنترنت، وثق في تقريره 2020، حملات منظمة للتأثير في وسائل التواصل شملت 81 دولة، استخدمت حسابات آلية وهويات وهمية لتضخيم الرسائل وتوجيه النقاش العام. وتساعد خوارزميات المنصات بدورها في انتشار المحتوى المثير للغضب والفضول، حتى دون وجود جهة تديره مباشرة.
المفارقة أننا قد نكون أحرارًا في آرائنا، لكننا لسنا بالضرورة أحرارًا بالقدر نفسه في اختيار الموضوعات التي نبدي آراءنا فيها. فقد نندفع إلى نقاش محتدم، بينما يكون آخرون قد نجحوا في دفع قضية إلى واجهة اهتمامنا، أو تكون الخوارزميات قد اختارتها لنا لأنها تعرف قدرتها على إثارة انفعالاتنا.
لا يعني ذلك التشكيك في كل نقاش اجتماعي أو اعتبار الاختلاف مؤامرة، إنما إدراك الفرق بين قضية تفرض أهميتها، وأخرى تستمد حضورها من الضجيج المحيط بها. في أوقات الحروب قد لا تحتاج حملات التأثير إلى تغيير قناعات المجتمع، بقدر ما تحتاج إلى استنزاف انتباهه وإشغال الناس بعضهم ببعض، حتى تبدو خلافاتهم أكبر من تحدياتهم المشتركة.
السؤال الأهم حيال كل ترند، ليس ما موقفنا منه فحسب، بل لماذا ظهر الآن؟ ومن أين بدأت روايته؟ وهل يستحق كل ما نمنحه من وقت وغضب واهتمام؟
الوصول إلى المعلومات صار أسهل من أي وقت مضى، لكن الحفاظ على استقلال الانتباه أصبح أصعب.