حماد القشانين

يحادثني محمد - شاب سعودي طموح - يحمل من الشهادات والسمات الشخصية ما الله به عليم، يعمل مستشارًا للمبيعات لدى علامة سيارات أوروبية فاخرة، ولديه رغبة جادة وصادقة في تقديم جلّ ما يملك من وقت ومعرفة وجهد لخدمة الوطن.

يقول إن الرئيس التنفيذي للشركة في السعودية - أوروبي الجنسية - عُيّن حين كان عمره 65 عامًا، وحاليًا 68 عامًا. عندما سألته متعجبًا: «أكيد إنه فلتة زمانه، وضارب المبيعات أرقامًا قياسية؟»، كانت إجابته: «بالعكس، مبيعات الشركة قبل توليه هذا المنصب كانت أعلى».

محمد، وقبله ما يزيد على عشرة سعوديين يمرون بظروف مشابهة، تواصلوا معي للأسباب نفسها تقريبا، وإن اختلفت قطاعاتهم، يقولون: هؤلاء الرؤساء التنفيذيون، القادمون من أوروبا وأمريكا بعد تقاعدهم في بلدانهم، نجد أن سيرهم الذاتية قد تتوفر لدى سعوديين بسهولة، ورغم مرتباتهم العالية، إلا أن الشركات التي استقدمتهم تتكفل بدفع رسوم السكن ومدارس للأبناء وصحة وترفيه وتذاكر طيران وغيرها، لذا فرواتبهم بالكامل تغادر الاقتصاد المحلي إلى اقتصادات بلدانهم.

محمد وغيره يحملون شهادات، أعلى من شهادات هؤلاء «الخواجات» - في بعض الأحيان - وشركاتهم في النطاق البلاتيني من حيث نسبة السعودة، ولكن سعودتها تتركز في الوظائف الأساسية، ولو جمعنا رواتب السعوديين في الشركة، لوجدنا راتب هذا الرئيس التنفيذي لوحده يفوق مجموع رواتبهم.

محمد ومن يعيشون ظروفًا مشابهة إن فكروا في حماية الاقتصاد المحلي، من خلال بلاغ إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، فستكون شكوى عادية، وإن بُحثت، فلن تجد الوزارة أن الشركة خالفت أي نظام.

السؤال، وببساطة: ماذا لو استحدثت الوزارة منصة للبلاغات عن مثل هذه المناصب، يُعامل فيها المُبلِّغ بكل سرية، تطّلع الوزارة على مؤهلات الرئيس التنفيذي المُبلَّغ عنه وعمره وراتبه، ثم تنشر إعلانًا وظيفيًا يتطلب المؤهلات والخبرات نفسها، وبعد توافر البديل السعودي، تُخاطب الشركة بأنه في حال استبدال هذا «الخواجة» بـ«ابن البلد»، فستُمنح تصنيفًا خاصًا أشبه بالنطاق البلاتيني، مع مزايا أخرى، مثل خفض المقابل المالي لبقية العمالة، وغيرها من الحوافز.

مثل هذه البوابة أو المنصة، إن وُجدت، قد يكون تأثيرها كبيرًا في الاقتصاد المحلي، من خلال تحويل المبالغ المهاجرة إلى مبالغ يُعاد تدويرها داخل المملكة، عبر توظيف سعوديين مؤهلين بهذه الرواتب العالية التي تغادر اقتصادنا حتى يومنا هذا.