محمد البقمي

تخيّل معي أنك تقف أمام مرآة تُطيل القصير، وتُضخّم الصغير، وتجعل الأعوج مستقيمًا والمستقيم أعوج، وتشوّه ملامح وجهك الجميل، حتى ترى شخصًا لا يشبهك!

هذه الصورة المتخيّلة تقرّب لنا فكرة «تشوّه إدراك المعايير الاجتماعية» (Social Norm Misperception)، التي تناولتها دراسة علمية نُشرت عام 2024 بعنوان «داخل مصنع المرايا المشوِّهة». وتوضح الدراسة كيف يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي، بفعل خوارزمياتها وأنماط تفاعل مستخدميها، أن تقدم صورًا غير ممثلة لحقيقة المجتمعات؛ فتُضخّم السلوكيات الهامشية، وتُبرز الأصوات المتطرفة، حتى يبدو الاستثناء قاعدة، والفرد ممثلًا لشعب، والسلوك العابر صفةً متأصلة في مجتمع بأكمله.

ولا يحدث هذا التشوّه بالضرورة بفعل متعمّد؛ فخوارزميات المنصات قد تمنح المحتوى المثير فرصًا أكبر للانتشار، وتصنع من حادثة هامشية قضية تتصدر المشهد. وهنا نحتاج نظرية ترتيب الأولويات (Agenda-Setting Theory)، التي تفسر دور الإعلام في تحديد القضايا التي تشغل الجمهور. وقد أعادت المنصات تشكيل هذه الآلية، فأصبحت تفاعلات المستخدمين شريكًا رئيسًا في صناعة «الترند»، الذي قد يتصدره التافه والكاذب والمسيء على حساب القضايا الجادة.

والأخطر من التشوّه الذي تنتجه طبيعة المنصات، هو ذلك التشويه المتعمّد الذي تصنعه إرادة بشرية واعية، وتغذّيه مصالح سياسية وأجندات دعائية. فنحن لا نتحدث عن إساءات عابرة، وإنما عن أنماط من الاستهداف الممنهج والمستمر، تُسخَّر فيها المنابر الإعلامية والحسابات الرقمية، وتُستثمر خوارزميات الانتشار لترسيخ صور سلبية عن الدول والشعوب، تمهيدًا لتأجيج العداء والحشد ضدها.

والحقيقة أن المرايا المشوِّهة ليست وليدة وسائل التواصل؛ فقد عرفها الإعلام الجماهيري منذ عقود. ولعل الصورة النمطية للخليجي في بعض الأفلام العربية مثال واضح؛ إذ قُدِّم في هيئة الثري المتخم الأبله، الذي لا يكاد يظهر إلا في الحانات، أو برفقة الغانيات، وكأن هذه الصورة المختزلة تمثل إنسان الخليج وقيمه وثقافته.

ولم تكن المشكلة في تقديم شخصية درامية سلبية، وإنما في تكرار القالب ذاته حتى أصبح الخليجي في معظم الأعمال أسير صورة كاريكاتورية لا تنصف تاريخه ولا تعكس حقيقة مجتمعه.

لقد غادر معظم صُنّاع تلك المرحلة المشهد، لكن بعض أنماط الخطاب الاستعلائي والاستغلالي التي صاحبتها لم تغادره. فما زالت أصداؤها حاضرة لدى بعض أبناء الأجيال اللاحقة، ممن ينظرون إلى الخليج من زاوية الثروة التي يُراد الانتفاع بها، أو الصورة النمطية التي تُستدعى عند الخلاف. وتظل السعودية في هذه الخطابات هدفًا متكررًا، وكأن الأحكام المسبقة إرث تتناقله الأجيال.

ومع ظهور منصات التواصل، اكتسبت تلك الممارسات أدوات أكثر سرعة وانتشارًا. فقد يكفي مقطع مجتزأ أو حادثة فردية لتبدأ رحلة التشويه؛ من حساب مجهول إلى حسابات أخرى، ثم إلى منابر إعلامية تعيد إنتاج الرواية، حتى يظن المتلقي أن تعدد ناقليها دليل على صحتها، مع أنها قد تعود إلى مصدر واحد.

وهنا تتجلى الصلة بين الدراسة العلمية وما نشهده في بعض الخطابات الإعلامية والرقمية تجاه المملكة العربية السعودية. فالآلية واحدة: انتقاء الواقعة، وتضخيمها، وتكرارها، ثم تعميمها على المجتمع. وهكذا يلتقي إرث التنميط الإعلامي بخوارزميات الانتشار، فتكتسب الأحكام المسبقة حياة جديدة.

اللافت أن بعض الخطابات لا تكتفي بنقد سياسات المملكة ومواقفها، وإنما تتجاوزها إلى قولبة الإنسان السعودي نفسه. وقد تتحول السعودية إلى شماعة تُعلّق عليها إخفاقات الآخرين وأزماتهم، حتى تلك التي تعود أسبابها إلى الداخل. وبدلًا من مساءلة المسؤولين في تلك البلدان، تُستدعى المملكة خصمًا وسببًا جاهزًا لصرف الأنظار عن مواطن الخلل.

الجميل أننا اليوم أكثر وعيًا بأساليب التشويه، وأقدر على كشفها ومواجهتها، وعلى تقديم تجربتنا الملهمة للعالم. لقد تجاوزنا كثيرًا ممن سخروا منا يومًا وحاولوا اختزالنا في قوالب جاهزة. ولم نعد ننتظر من الآخرين أن يعرّفوا بنا؛ فنحن نروي قصتنا بأنفسنا، ونقدّم منجزاتنا شاهدًا على واقعنا.

نعم، تتبدد آمال دعاة التشويه كل يوم أمام طوفان الوعي السعودي، الذي يجد قبولًا وانتشارًا لدى كثير من الأشقاء العرب والمسلمين المدركين لطبيعة تلك الحملات وأبعادها. فالسعودية ليست مجرد دولة في حسابات السياسة؛ إنها أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، وقلب العالمين العربي والإسلامي، وملاذ يجد فيه كثير من الأشقاء العون والسند بعد الله.

لن يتوقف أعداء بلادنا ومجتمعنا عن استخدام المرايا المشوِّهة، سيواصلون مساعيهم الخبيثة لتشويه صورتنا في أذهان الآخرين. لكن وعينا الوطني يحمينا ــ بإذن الله ــ من الانجرار خلف تلك الأجندات، ويجعلنا أقدر على ترتيب أولوياتنا وفق ثوابت راسخة، عمادها الدين والمليك والوطن.