الانتحار هو «قيام الشخص بقتل نفسه»، أما محاولة الانتحار فهي إيذاء النفس مع الرغبة في إنهاء الحياة، دون أن يؤدي ذلك إلى الموت!.

وفي الأسبوعين الماضيين، حدثت محاولتا انتحار تم تداولهما على مواقع التواصل الاجتماعي.

الأولى: لشاب رمى نفسه من جسر مروري في أحد ميادين الرياض، وسقط على إحدى الشاحنات، وأنقذته العناية الإلهية من النهاية المؤلمة!.


والأخرى: لموظفة بأحد مستوصفات الأسنان في مدينة حائل، حاولت رمي نفسها من الدور الثالث، ولكن تم منعها من رجال الدفاع المدني!.

وهناك -بلا شك- حالات غير معلنة تتم مباشرتها من الجهات المسؤولة لدينا، وبسرّية تامة، قد يكون مصيرها الإنقاذ ممن حولها، أو يكون مصيرها الموت، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

وإن كان الانتحار في الإسلام محرما، ويأثم فاعله لقوله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم»، وفي الحديث عن ثابت الضحاك قال، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- «ومن قتل نفسه بشيء عُذّب به في نار جهنم».

فالإقدام عليه -كمحاولة لدينا كمجتمع مسلم- يعد جريمة تستوجب التحقيق والتوقيف!، ولكن في الدول الأخرى الغربية يعدّ أمرا غير قانوني فقط، تتم محاسبة من يحضره ولا يتدخل للمساعدة وإيقافه، وقد تلحق العقوبات أولئك الذين يحاولون القيام به!.

وعلى الرغم من ذلك، هناك من يحاول الانتحار، أو يُقدم عليه بسهولة، إذ يلقى ما يقارب 800 ألف شخص حتفهم كل عام بسبب الانتحار، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية، الذي يُعدّ الأول بعنوان «الوقاية من الانتحار ضرورة عالمية»، ونُشر عام 2014، ويعني هذا وقوع حالة وفاة كل 40 ثانية! مما يشكل خطرا على الصحة العمومية! ويُشكّل مأساة على أهالي المنتحرين والمقربين منهم، إذ سجل الانتحار ثاني أهم أسباب الوفيات بين من تراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي، مما جعل للانتحار أولوية قصوى على جدول أعمال المنظمة.

وأسباب الانتحار كثيرة، وهذا يستوجب من المنظمات العالمية التدخل لتكثيف البرامج الوقائية لإيقافه، وزيادة الوعي حول خطورته، وإن كانت الفروق بين البلدان واضحة، من ناحية الأسباب وأنماط الانتحار وخصائص المنتحرين، وإن اتفقت غالبها على «تدني الصحة النفسية للمنتحرين»، مما استوجب من المنظمة رأب الفجوة في برامج الصحة النفسية، وهو ما أطلقته عام 2008 لرفع مستوى تقديم الخدمات، ورعاية الاضطرابات النفسية والعصبية والمتعلقة بتعاطي مواد الإدمان، إذ توجد خطة عمل للدول الأعضاء بمنظمة الصحة العالمية للصحة النفسية 2013-2020، بالعمل لتحقيق الهدف العالمي المتعلق بخفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10% بحلول عام 2020.

والمأمول من وزارة الصحة السعودية ألا تتهاون مع تلك الحالات الانتحارية، بل لا بد من إيجاد منظومة عمل متكاملة وفاعلة، وذلك بالتعاون مع الجهات الأمنية والاجتماعية والحقوقية والعدلية والإعلامية، لدراسة هذه القضية والحدّ من انتشارها، ما دامت بدأت في الظهور على مرأى من الجميع!، والعمل على تدريب رجال الدفاع المدني على إنقاذ تلك الحالات، حسب الموقف وخطورته، والصحيين على تقييم وإدارة السلوك الانتحاري، والاجتماعيين على رعاية «محاولي الانتحار»، وتقديم الدعم اللازم لهم!، والنفسيين على التدخل المبكر لمن يعانون الاضطرابات النفسية «خاصة الاكتئاب»، واضطرابات الإدمان، وانهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة!.

أيضا رجال القضاء نحتاج منهم مراجعة وجوب عقوبة الانتحار «فهل المحاولة تُشكل جريمة تستوجب التحقيق والإيقاف، أم العلاج والدعم النفسي والاجتماعي؟! فهذا يُعدّ في حكم المريض اليائس، وندعو له بالشفاء!» وكذلك الإعلام الذي نفتقد دوره التوعوي للحدّ من هذا السلوك المضطرب واللجوء إليه وقت الأزمات، والوقاية من انتشاره عندما ينجح في اتباع المبادئ الإعلامية والتوجيهية المناسبة له!. وإن كانت هناك جهود وطنية سابقة لهذه الجهات، أتمنى إعلانها وتوعية المجتمع بها، كسلاح وقائي في هذه القضية المهمة!.