أخذ الحديث عن الأرقام ورمزيتها ودلالاتها مساحة كبيرة في دراسات الحضارات والديانات والأنثروبولوجيا والاجتماع والسحر والفلك والأبراج وغيرها، واختلط فيها التاريخي بالميتافيزيقي والحقيقة بالوهم، وبين ما تسرب من الأساطير السامية القديمة والديانات الوثنية والكتابية وما تخيله الناس أو اختلقه القصاص، وفي كل جانب من هذه الجوانب حديث يطول.

وفي الدراسات الإسلامية نجد آراء متراكمة لعلماء التفسير والحديث وإعجاز القرآن مختلطة بين الاجتهاد اللغوي والفهم الديني والإسرائيليات المستقاة من كتب العهد القديم في مزامير داود وأسفار موسى الخمسة والعهد الجديد في الأناجيل المختلفة، ومدار كلامهم على الأرقام الواردة بشكل متكرر في القرآن الكريم والحديث الشريف على اختلاف في درجة الحديث صحة وضعفا ووضعا، فمن ذلك ما قاله العلماء عن العدد (3) الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) 41 آل عمران، (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) 228 البقرة، (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) 89 المائدة، (ثلاث عورات لكم) 58 النور، (في ظلمات ثلاث) 6 الزمر، وما قالوه عن العدد (7) الوارد في قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) 12 الطلاق، وفي الحديث «السبع الموبقات، سبعة يظلهم الله في ظله، السبع المثاني، إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا إحداهن بالتراب».

أما الرقم (8) فقد ورد في القرآن الكريم: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) 17 الحاقة، (ثمانية أزواج) 143 الأنعام، (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) 6 الزمر، (سبعة وثامنهم كلبهم) 22 الكهف، (على أن تأجرني ثماني حجج) 27 القصص، (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) 7 الحاقة، وما قيل في العدد (30) في قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) 15 الأحقاف، (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) الأعراف 142، وغيرها من الأرقام مثل (اثنان، 10، 12، 13، 70).

ثم جاءت جماعة الإعجاز العددي فصنعت بالونات فارغة ودلالات من التراكيب الإحصائية الرقمية، وبنوا عليها علما لا ينفع ولا علاقة له بمعجزة القرآن الخالدة، والتراكيب العددية التي زعموا اكتشافها لو استخدم أي باحث مبتدئ برنامجا إحصائيا بسيطا وطبقه على سيرة أبي زيد الهلالي أو مقدمة ابن خلدون مثلا لوصل إلى تراكيب عددية ودلالات العلاقة بين الأرقام ما هو أكثر وأشد تشابكا وغرابة، ثم لا يعد إعجازا لأن القرآن أجل شأنا من أن يكون مجرد لعبة إحصائية يقوم بها برنامج مجاني في الحاسوب.

والرقم (40) من الأرقام التي أخذت بعدا كبيرا في الأساطير منذ بدء التاريخ المكتوب، وفي كتب العهد القديم التي تضم مزامير داود وأسفار موسى الخمسة وحكم سليمان والأناجيل المختلفة، ثم بعد ذلك ما ورد منها في القرآن الكريم والأحاديث صحيحها وضعيفها وموضوعها، وفي المذاهب والأعراف والتقاليد التي استمرت إلى زمان الناس هذا، فما هي حقيقة قداسة هذا الرقم؟ وما هي جذورها الأنثروبولوجية والدينية والشعبية؟



طقوس الأربعين

في حياتنا اليومية على اختلاف المناطق والثقافات ما زالت طقوس أربعين الميت، وطهر المرأة بعد أربعين الولادة، وقصة علي بابا والأربعين حرامي، والمثل المعروف «يخلق من الشبه أربعين» و«حتى أربعينك لا يشبهونك».

في الأساطير السومرية التي تمتد إلى ما قبل 8 آلاف سنة – إذا أوغلنا في التاريخ - نجد أن «إن- كي» أحد أهم الآلهة كان الرمز أو الاسم المقدس له هو العدد (40)، والمخلوق الأسطوري «باسمو» أو ثعبان السم الذي يظهر بعدة ألسنة في بلاد ما بين النهرين طوله أربعون ذراعا.

في الحضارة البابلية اختفى العنقود النجمي «الثريا» (40) يوما وراء الشمس فحدثت فيضانات وعواصف، وعندما ظهرت الثريا من جديد أحرق الناس (40) حزمة من قصب البوص احتفالا بانتهاء الكارثة.

وفي الحضارة الفرعونية تظل الروح في جسد الميت (40) يوما ثم تفارقه.

وفي قصة طوفان نوح عليه السلام ورد في سفر التكوين «قال عسى أن يوجد هناك أربعون، فقال: لا أفعل من أجل الأربعين، لأني بعد سبعة أيام أيضا أمطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته» (الإصحاح السادس إلى التاسع).

أنذر النبي يونس أهل نينوى في العراق بأن الخراب سيحل بعد (40) يوما إن لم يتوبوا، وقيل بعد (3) أيام وقد جاء في سورة يونس: (لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا).

تحدى جالوت بني إسرائيل في الحرب (40) يوماً قبل أن يهزمه داود عليه السلام «سفر صموئيل الأول».

وبكى يعقوب عليه السلام على ابنه يوسف أربعين يوما حتى أصيب بالعمى.

وفي قصة موسى عليه السلام صام (40) يوما عند استلام الوحي والوصايا العشر «سفر التثنية»، كما جاء في سورة المائدة (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون)، وأكل بنو إسرائيل المنّ والسلوى أربعين سنة «سفر الخروج»، وتاه بنو إسرائيل في صحراء سيناء أربعين سنة قبل دخولهم أرض الميعاد (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين).

يعود جواسيس موسى من أرض كنعان بعد 40 يوماً «سفر العدد».

صام إيليا (40) يوما عندما ذهب إلى جبل حورين وشاهد هناك المشاهد الأربعة وهي الرياح والزلزلة والنار والصوت الخفيف.

صام عيسى عليه السلام (40) يوما في الصحراء عندما بدأ رسالته على الأرض.

وفي الإسلام تتراوح الأرقام بين الصحة والوضع:

بداية نزول الوحي عندما كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم (40 سنة).

عُمر خديجة كان أربعين 40 سنةً عندما تزوجت بمحمد.

القول المنسوب إلى الرسول: «خمّر الله طينةَ آدم أربعين صباحاً»، وكذلك نجده في القول المنسوب للنبي: «ما أخلص عبدُ للَّه عز وجل أربعين صباحا إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».

اشتهر في كتب الحديث والمسانيد كتاب الأربعين النووية نسبة إلى الإمام يحيى بن شرف النووي (توفي 676هـ/ 1277م)، وهي أربعون حديثا اختارها النووي اعتمادا على حديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وهو حديث ضعيف، وانتشرت الأربعون النووية انتشارا كبيرا بين طلاب العلم منذ ذلك الوقت وما زال حتى الآن، والنووي يذكر صراحة أنها أربعون حديثا جمعها اقتداء بالأئمة الأعلام الذين سبقوه، وأول من ألف فيه عبدالله بن المبارك (توفي 181هـ) ثم محمد بن أسلم الطوسي (توفي 242هـ) ثم الحسن بن سفيان النسائي وأبو بكر الآجري وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني والدار قطني والحاكم وأبو نعيم وأبو عبدالرحمن السلمي وأبو سعيد الماليني وأبو عثمان الصابوني وعبدالله بن محمد الأنصاري وأبو بكر البيهقي وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتاخرين.

ويقول النووي في أصل الحديث: روينا عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري من طرق كثيرات بروايات متنوعات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وفي رواية: «بعثه الله فقيها عالما»، وفي رواية أبي الدرداء: «وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا»، وفي رواية ابن مسعود: «قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت»، وفي رواية ابن عمر: «كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء»، واتفق العلماء على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه.

وعلى الرغم من ضعف الحديث جمع النووي أربعين حديثا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين وبعضهم في الفروع وبعضهم في الجهاد وبعضهم في الزهد وبعضهم في الآداب وبعضهم في الخطب، ومن ذلك كتاب الأحاديث القدسية الأربعينية للعلامة ملا علي القاري (ت 1016هـ)، وكتاب الأربعين في فضل الرحمة والراحمين لشمس الدين بن طولون الصالحي (ت 953هـ)، الذي ألف 26 كتابا في الأحاديث الأربعينية أورد قائمة بها في كتابه الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون.

كما وردت أحاديث في أن عدد أجزاء النبوة أربعون، ففي حديث أبي هريرة: «رؤيا المسلم جزء من أربعين جزءاً من النبوة»، ووقع الخلاف في العدد بين الروايات فالأكثر ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة أيضاً: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وحديث عبدالله بن عباس «60» وروايات أخرى «50» و«26».

عند الصوفية: أربعون درجة تفصل بين الإنسان والله، بالإضافة إلى ذلك هناك أربع مراحل أساسية من الوعي في كل منها عشر درجات فيصبح مجموعها (40)، شمس الدين التبريزي (توفي 645هـ/ 1248م)، وهنالك اعتكاف الـ(40) لغرض قضاء الحاجة أو بلوغ مقامات في العرفان والسلوك، وقراءة سورة الإخلاص (40) صباحاً، والدعاء لـ(40) مؤمنا، وأربعين ليلة أربعاء، وغير ذلك.

ومن الزيارات المستحبة عند الشيعة «الربعين» وتطلق على اليوم الأربعين من استشهاد الحسين بن علي عليه السلام وتحظى باهتمام شعبي كبير، وقد عقد الشيخ الحر العاملي في الوسائل باباً أسماه: باب تأكد استحباب زيارة الحسين يوم الأربعين من مقتله، وفي الأربعين الأولى زار جابر بن عبدالله الأنصاري وعطيّة العوفي تربة وقبر سيد الشهداء، إلا أنّ بعض المؤرخين ينفون هذه الواقعة، منهم المحدّث القمّي في كتابه «منتهى الآمال» حيث يسوق لذلك جملة من الأدلة التي تؤكّد إنّ زيارة أهل البيت لقبر الحسين لم تكن في الأربعين الأولى.

لي عنق

مع كثرة هذه الشواهد لا يخلو الأمر من الافتعال ومحاولة لي عنق الرقم (40) أو تحويره أو اختيار أضعف الروايات فيه، من ذلك ما يقال من أن بوذا (توفي 480 ق.م) مؤسس البوذية بدأ دعوته في سن الأربعين كعيسى ومحمد عليهما السلام وهو غير صحيح، إذ المشهور أن بوذا بلغ التنوير بعد جلوسه تحت شجرة التين الشهيرة وهو في سن (35)، وتأويل عدد قضاة محكمة البعث والعدل (42 قاضيا) عند قدماء المصريين الذين يعتقدون في البعث ويمثل الميت أمام محكمة يرأسها إلههم أوزيريس ويسألونه 42 سؤالا، ويعترف أمامها الميت أمامهم بأنه لم يسرق، ولم يغتل أحدا، ولم يكذب، وكل ما لم يكن يفعله من سيئات في حياته في الدنيا، مع أن العدد يمثل أقاليم مصر وعددها 42 إقليما وكل قاض يسأل سؤالا.

أو تكون الروايات مختلفة والرقم (40) إحداها، كاختيار رواية الأربعين في مدة لبث يونس عليه السلام في بطن الحوت، حيث روى مجالد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، وقال قتادة: مكث فيه ثلاثًا، وقال جعفر الصادق: سبعة أيام، وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين يوما، (البداية والنهاية لابن كثير)، وكذلك عدد أجزاء النبوة، ومدة انقطاع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قائل إنها كانت أياماً، وقيل: إنها كانت ستة أشهر، وقيل: إن الأقرب إلى الصواب هو ما روي عن ابن عباس أن فترة انقطاع الوحي كانت أربعين يوماً، أما حديث بكاء يعقوب عليه السلام أربعين سنة على يوسف وهو رجل أعمى فحديث موضوع مكذوب.

الجذور الثلاثة

بعد استبعاد مثل هذا الربط المفتعل نستطيع إرجاع دلالات الأرقام إلى 3 جذور:

1- أرقام جاءت بطبيعتها، مثل سؤال لماذا دام ملك داوود على بني إسرائيل أربعين عاما؟ وهذه جاءت ضمن سياق مدد مختلفة لملوك بني إسرائيل وليسوا جميعهم تحت الرقم (40)، ويفتعل البعض تفسيرا لها بأن (40) مكون من أربع عشرات والرقم (10) مثل الرقم (7) يعد كمال الكمال ومثل عُمر السيدة خديجة.

2- جذر امتد من أحداث عمرها ستة آلاف سنة ارتبطت بطقوس معينة قديمة في حضارة حوض النيل واستمرت حتى وقتنا الحاضر مثل أربعين الميت.

3- جذر امتد من أحداث ارتبطت بمعتقدات وثنية وطقوس حياتية عمرها أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد في حضارة بلاد الرافدين، ثم انتقلت إلى فلسطين في الكتب اليهودية التي بين أيدينا، ومنها تسربت إلى الأناجيل وإلى الإسرائيليات في التفاسير والقصص في عصر الإسلام.

الجذر الفرعوني

اعتقد قدماء المصريين أن الموت هو بوابة الخلود للعالم الأبدي انطلاقا من إيمانهم بالبعث والحياة الدائمة، فابتكروا فن التحنيط بوصفه هو الطريق إلى سر الخلود بحفظ جثث الموتى لتبقى سليمة لفترات طويلة، وتستمر عملية التحنيط (40) يوما يصبح بعدها الميت جاهزا للعبور والمحاكمة في محكمة العدل أمام (42) قاضيا برئاسة أوزوريس، وفي أثناء عملية التحنيط تكون هناك أربع ربات حاميات على جدران المقابر هن إيزيس، ونفتيس، ونيت، وسركت، يحمين أحشاء الميت ولا يتركنه إلا بعد المحاكمة، حيث ترعى كل ربة الجثة لمدة (10) أيام هي مدة الأسبوع المصري القديم، فإذا ما انتهت الأربعون يكون مستعدا للمحاكمة، فتقام مراسم العزاء واستقبال المعزين والنياحة عليه، ومن هنا جاءت تسمية الـ(40) للمتوفى، وتأثر اليهود بعادة الأربعين، ففي التوراة «سفر التكوين» أن يوسف عندما توفي والده يعقوب عليهما السلام أمر الأطباء المصريين بتحنيط جثمانه، وأن عملية التحنيط استمرت أربعين يوما بعدها شيع جثمانه.

وانتقل مفهوم الـ(40) إلى الكنيسة القبطية من قيامة يسوع المسيح من الموت وبقائه في الأرض (40) يوما قبل الصعود، ولذلك يجري عند الأقباط قداس جناز الأربعين لتثبيت إيمان الأقباط بالحياة بعد الموت والعيش برفقة المسيح والقديسين، ويقرأون فيه: «كما قمت يا ربنا (يسوع) من الموت في اليوم الثالث، وبقيت معنا على الأرض مدة أربعين يوماً من بعد قيامتك، ثم في تمام الأربعين يوماً صعدت إلى السماوات أمام رسلك القديسين الأطهار، هكذا أصعد نفس أخينا الراقد كما صعدت أنت وأرحها في الأحضان السماوية، واغفر له كل خطاياه»، وكذلك انتقل الصيام المصري القديم إلى الكنيسة القبطية، حيث يصومون أربعين 40 يوماً، كما يأتي عيد خميس الصُّعود عند المسيحيين بعد أربعين 40 يوماً من عيد القيامة (الفصح).

وانتقل بعد ذلك إلى الاحتفال بأربعين الميت عند المصريين، حيث تتم زيارة القبر في اليوم الأربعين من وفاته، ولا تخلع الثياب السوداء عنهم إلا بعد الأربعين، ومن هنا جاء الاحتفال بأربعين الحسين، حيث نسجت حول أربعينه الروايات والأحاديث منذ الأربعين الأولى التي شكك بعض المؤرخين فيها، وإنما جاءت بالتأثير المصري بعد نقل رأس الحسين إلى القاهرة، وما زالت مراسم الأربعين في الكنيسة القبطية وفي الوجدان الشعبي المسلم مستمرة حتى الآن ويقومون بتقديم الصدقات، ويقيمون مجلس فاتحة على روحه.

وفي بعض بيئاتنا الشعبية يطلقون على المرأة عند ولادتها «المدفونة» وأن قبرها مفتوح ويغلق بعد (40) يوما والمثل الشعبي «النفاس قبرها مفتوح»، ولذلك تبقى في البيت ولا تخرج ولا تستحم ولا تقوم بأي عمل ويمنع عنها ألوان معينة وأطعمة معينة، وبنهاية الأربعين يحتفلون بها وتمارس حياتها الطبيعية.

الجذر السومري والبابلي

الحضارة السومرية هي حضارة لمجموعات بشرية في جنوب شرق الهلال الخصيب في العراق، ومنذ نحو 6 آلاف عام اعتقدوا بآلهة تلبي احتياجات استمرارية معيشة الإنسان، ويعد «إنكي» أحد أقوى آلهة السومريين فقد كان إله الحِرَف والاختراعات والمياه العذبة والخصوبة والحامي للإنسان، ويعرف في الأساطير الأكدية والبابلية باسم «إيا»، ولأن الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين زراعية، ولارتباط إنكي «سيد الأرض» بالخصب والمياه ربط السومريون في عبادته له بموسم الزراعة وخاصة فترة الاعتدال الربيعي وقيامة الأرض وحياتها بعد موتها وعودة الخصب إليها، ومدتها (40) يوما، وهي الفترة التي تستغرقها أغلب البذور لتنبت بالكامل حسب مناخ بلاد سومر، ولذلك كان الرمز المقدس للإله إنكي هو الرقم (40).

ويرى بعض الباحثين أن لفظ ربيع في اللغات السامية الشمالية يعني الحياة، وحتى في العربية يأتي لفظا الربيع والحيا بمعنى واحد، ومنها جاءت كلمة إربا في الأكدية وإربعين في الآرامية والسريانية، ثم انتقل المفهوم نفسه غربا لدى الكنعانيين في بلاد الشام وهو مجتمع زراعي مشابه بآلهته وطقوسه، وانتقلت قداسة الأربعين في عيد الفصح اليهودي حين أخذ موسى قومه إلى حافة أرض الميعاد، وقادهم يوشع إلى الجنة الخصبة في رحلة استمرت (40) سنة هي سنوات التيه، ثم انتقل إلى المسيحيين الذين يحتفلون بعيد القيامة أو عيد الفصح المسيحي بعد قيامة المسيح من الصلب، وفيه ينتهي الصوم الكبير الذي يستمر عادة (40) يوما، ويبدأ زمن القيامة المستمر في السنة الطقسية (40) يوما، وهي توافق فترة بقائه في الأرض قبل أن يصعد إلى السماء، وما زال الاحتفال به إلى الآن بأسماء مختلفة مثل الإيستر وشم النسيم والنيروز.