قضية سعد الجبري الهارب من العدالة، وما تقوم به السلطات السعودية من ملاحقته بتهم ما قام به من فساد عظيم طيلة عمله، وقد تسبب في إهدار أكثر من 11 مليار دولار من المال العام للدولة، وهذا يعتبر ميزانية 4 دول، تنطوي على جرم كبير وعقابه دنيا وآخرة، أين يذهب؟.

هذا الفساد من أخطر الظواهر السلبية التي تنخر في عضد الدول، وتنهك قواها، وتفتك بأمنها وسلمها المجتمعي، ذلك لأنها تصيب مفاصل الدولة الحيوية، كالصحة، والتعليم وغيرها من مؤسسات الدولة المختلفة، ومن أنواع الفساد المنتشرة، خيانة الأمانة، وخيانة العهد، وخيانة العمل الوظيفي، والاستيلاء بطرق غير مشروعة على أموال الدولة أو أموال الغير، والرشوة، والمحسوبية، وغيرها كثير وكثير من مظاهر الفساد التي تسببت في تأخر الأمم وتخلفها عن ركب الدول المتقدمة.

وما حل الفساد بفرد أو جماعة إلا ابتلاهم الله بالضعف والوهن والجبن، فالشيطان قد يتركك تفعل ما تشاء من العبادات، كصلة الرحم والصوم والزكاة ولكن يدخل إليك من طريق الفساد، فيزين لك السرقة أو الرشوة أو غيرها، فتصبح أعمالك هباء منثورا.

قال تعالى: {ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص:77].

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله ﷺ:(أيها الناس إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبا)، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليمٌ} [المؤمنون:51]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة:172]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!(رواه مسلم).

ومن هنا نجد هيئات رسمية وغير رسمية قد تطوعت لمكافحة الفساد، وقد تمحورت فكرة مكافحة الفساد حول تتبع مواطن الفساد الإداري في مؤسسات الدولة المختلفة، والعمل على تغييرها بالمناقشة حينا، وبالمتابعة مع صانعي القرار حينا آخر، وبالنشر عبر وسائل الإعلام إن لزم الأمر.

إذا فمكافحة الفساد رسالة عظيمة، قد تترتب عليها متاعب عدة، ولا سيما أن كان من يقوم بذلك من ذوي القيم والمبادئ الراسخة الأصيلة، فمن يقوم بهذه المهمة الشاقة لا بد له من مؤهلات تنطلق من قوة الشجاعة، وقوة الإرادة، مرورا بالوعي والعلم بالقوانين التي تحكم سير المؤسسات الرسمية وتنظم أعمالها، بالإضافة إلى القدرة على تحمل تبعات مواقفه، ولا بد له أن يكون من أصحاب الثبات على المبدأ، والحيادية، وعدم وجود مآرب شخصية، ويتوج ذلك كله روح الانتماء الحقيقي للوطن، والقيم والمبادئ، ولا بد من توفر غطاء رسمي داعم لأعماله.

ومن هذا المنطلق قامت حكومتنا الرشيدة ممثلة في خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، وبكل ما أوتوا من قوة، لمحاربة الفساد واستئصاله من جذوره وإقامة الحق والعدل مهما كان الفاسد صاحب نفوذ أو مستوى وظيفي عال، تطبيقا لمقولة الأمير محمد بن سلمان الذي أرسى قانون العدالة والشفافية والنزاهة، وجعل الجميع سواسية أمام القانون، منذ أن قال كلماته الشهيرة والتي رددها غير مرة: (لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد سواء أكان وزيرا أو أميرا أو أيا ما كان)، وأصبح نهجا لترسيخ قيم النزاهة والأمانة والموضوعية والحياد والشفافية وللضرب بيد من حديد، لإعادة الحقوق وردع الفاسدين الذين قادتهم أطماعهم، وأنفسهم الضعيفة للاستيلاء على ما ليس لهم بغير وجه حق.

وستبقى دولتنا -إن شاء الله- شامخة علياء على يد حكامنا وبطانتهم الوفية الذين يعملون ليل نهار لحفظ بلادنا وحدودنا من كل حاقد وكاره لأطهر بقعة على هذه الأرض.

وقد جاء قرار خادم الحرمين الشريفين رقم (أ/478) وتاريخ (29/12/1440) والذي يفصح عن التفاعل مع صوت المواطن واحتياجاته بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتبعه الأمر الملكي رقم (أ/38) وتاريخ (15/2/1439)، حيث يعد من أهم الأوامر الملكية، وهو ضمن سلسلة من القرارات الحكيمة التي تؤكد على رؤية خادم الحرمين لإسعاد مختلف شرائح المجتمع، باتخاذ جميع الإجراءات النظامية، من سلطات الضبط - والرقابة - والتحقيق - والقضاء... إلى المراقبة والمحاسبة والتدقيق على جميع الجهات، خاصة المشاريع العملاقة التي يبالغ في قيمتها المطروحة والتي يجب أن تقدم للمساءلة في حالة إخفاقها، أو عدم قيامها بالدور المأمول منها لضمان تنفيذ المشاريع على أكمل وجه، والحفاظ على المال العام حتى يصل جميع ما يصرف من الدولة إلى المواطن، وذلك من خلال تقديم الدعم اللازم للجهات المختصة لتعزيز حماية النزاهة.

ومن ثم يجب ألا ننسى الأهداف المرجوة التي أنشئت من أجلها هذه الهيئة، فقد حان الأوان ألا يكون أحد فوق القانون، وضد المساءلة باتباع نهج الشفافية التامة في الكشف عن المخالفات والتجاوزات المالية والإدارية ومتابعتها مع الجهات القضائية والرقابية الأخرى، وضمان محاسبة المتورطين، كما يجب أن نكون خير معين لمختلف الجهات والأجهزة التنفيذية والقضائية لمحاربة جميع أوجه الفساد وأشكاله للحد من سوء استغلال الصلاحيات القضائية، والسلطات الإدارية، ونهب المال العام، والرشوة، والتلاعب بالأنظمة، والتمييز بإعطاء الترخيص والاحتكار بين الناس، والتقصير في أداء العمل، وضعف الانتماء للوطن، واستقطاع الأراضي، وقطع يد جميع المتلاعبين والمرتشين لجني ثمارها، وأتمنى محاسبة كل من تنفذ من منصبه واقتطع الأراضي ونهب المال العام ووزع الهبات على أهله وذويه في كل منطقة من مناطق المملكة، سواء أكان على رأس العمل أو خرج من الوظيفة، ويتم دراسة حالتهم من قبل هيئة الفساد دراسة دقيقة، فقد خدم هؤلاء أنفسهم وأهاليهم بالباطل ولم يخدموا الوطن والمجتمع.

وفي الختام أوجه الشكر لسيدي ولي العهد لإرسائه قانون العدالة والشفافية والنزاهة، وجعله الجميع سواسية أمام القانون، وقد أدرك كثيرون أن الأمير محمد بن سلمان هو عراب مكافحة الفساد في الوطن العربي وقائد حملة ضرب هامة الفساد بتطبيق القانون ومحاسبة الفاسدين، وأين يفلت الجبري وأمثاله فالأمير محمد بن سلمان فهو أمامهم أين ما رحلوا..

اللهم احفظ بلادنا وحكومتنا وحدودنا وديننا وأمتنا من كل عابث وصايل وفاسد ومكروه.