قبل البدء في مقال اليوم أحب أن أوضح أنه إضافة إليه وإلى ما كتبته في المقالين السابقين عن السياسة التركية في المنطقة العربية، وعن مشروع إردوغان العثماني، فإنه ما زال لدى الكثير لأضيفه في هذا الموضوع الواسع الشائك المرتبط بالأزمة الليبية وخطورتها وأبعادها السياسية والاقتصادية، واعتباراتها الإقليمية والدولية، واحتمالات تداعياتها وتوسعها. ولقد رأيت متابعة مناقشة الموضوع في عدد من المقالات، أطرح فيها بعض النقاط الأخرى الجديرة بالنقاش، والتي ترتبط بالحاضر والتاريخ والمستقبل.

الأزمة والمشكلة الراهنة، كما ذكرت سابقا، لا تقتصر على ليبيا وحدها، ولكنها تشمل المنطقة العربية كلها ومنطقة شرق البحر المتوسط. وترتبط أسباب ونتائج هذه المشكلة عامة وبشكل رئيس، بالسياسات التركية وبالتحديد رئيسها إردوغان الذي يتصف بثلاث خصائص وصفات تحدد شخصيته السياسية، وهي:

1- نزعة «الأنا التركية» و«الأنا الإردوغانية» اللتان تعكسان وتجسدان معا قوميه تركية متطرفة قائمة على الاستعلاء والغرور، واستضعاف الآخرين. وتتضمن هذه الخاصية حبا شخصيا مستميتا للزعامة عند إردوغان.

2- العند السياسي والتمسك بالمواقف والإصرارعليها، واستخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيقها بما في ذلك القوة العسكرية.

3- مهارة وخبرة كبيرة في تسييس وأدلجة الدين الإسلامي، واستغلاله في تحقيق الأهداف السياسية.

وتحدد هذه الخصائص والصفات أولويات ومواقف إردوغان السياسية، وتدعو جميعها إلى القلق والحذر، لأنه رئيس دولة قوية عسكريا يتحكم بها، وقد يدفع بالمنطقة في أي لحظة نحو حرب خطيرة قادمة.

يعمل إردوغان على توسيع نفوذ تركيا في المنطقة العربية وشرق المتوسط، وفق إستراتيجية واضحة وسياسات محددة. وقد يغير من تكتيكه السياسي، ولكنه لن يغير إستراتيجيته إلا مجبرا أو مكرها.

إستراتيجية توسيع نفوذ تركيا السياسي ومكاسبها الاقتصادية، سوف تجعل من إردوغان الزعيم الأوحد أو الزعيم الأكبر في المنطقة، وفي ذلك إشباع وإرضاء «للأنا الإردوغانية» و«الأنا التركية» في الوقت نفسه. وعلى أي حال فإنه يصعب تكوين نظرة تشاؤمية أو تفاؤلية واضحة عند النظر الآن لمستقبل الأزمة واحتمالات تطورها.

ولمساعدته في توضيح وتبرير سياسته وتدخله في ليبيا، للأتراك وللعرب وللعالم، طرح إردوغان خطاب «الإرث والتراث العثماني» في ليبيا لاعتقاده أن من شأن هذا الخطاب المبني على العودة للتاريخ، والتذكير بأمجاد الدولة العثمانية، أن يكسبه مشروعية سياسية في موقفه بليبيا ويزيد شعبيته بين جماهير شعبها. ولكن المشكلة الرئيسة التي واجهت وتواجه إردوغان في هذا الطرح، هي أن العرب في ليبيا وغيرها يعتبرون أن ما يصفه إردوغان «بالإرث والتراث»، كان احتلالا واستعمارا تركيا عثمانيا للمنطقة العربية كلها. فلقد قتل الأتراك الكثيرين من العرب الذين قاوموا الاستعمار العثماني، ورفضوا سياسة «تتريك العرب» العثمانية، التي سعت إلى جعل العرب تابعين للترك، وإلى طمس الشخصية العربية، وفرض الشخصية التركية مكانها بين العرب.

في نشوة حديثة عن «الإرث والتراث العثماني» في ليبيا، أراد إردوغان تلميع صورته وصورة السراج أمام الليبيين والعرب، فشبه حرب السراج المدعومة من تركيا ضد الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر، بجهاد عمر المختار ضد الاستعمار الإيطالي. وجاء الرد على إردوغان سريعا وقويا من قبيلة عمر المختار ممثلة برئيسها حفيد عمر المختار الذي قال، إن حديث إردوغان عن عمر المختار فيه إهانة للشعب الليبي، ولجهاد عمر المختار ضد إيطاليا، وأضاف حفيد المختار ما يفيد بأن إردوغان لا يعرف التاريخ، أو أنه يحاول تشويهه وتزويره، ولقد صدق الرجل فيما قال، وخاصة أن قبيلة المختار كلها تدعم حفتر وتقاتل معه. هذا وإن عمر المختار، عربي ليبي من بني هلال، وهم مجموعة من القبائل العربية التي جاءت من وسط الجزيرة العربية بعد انتشار الإسلام واستقرت في مصر أولا، ثم رحلت إلى المغرب العربي. وأقامت قبيلة المختار بشرق ليبيا في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما تابعت قبائل أخرى من بني هلال انتقالها غربا في المغرب العربي. ويقول ابن خلدون عن قدوم عرب بني هلال من مصر إلى المغرب العربي: «وانتشروا كالجراد في كل مكان» في إشارة إلى كثرتهم العددية الهائلة. وقاتل مع المختار مجاهدون كثيرون ينتمون لجميع قبائل ليبيا من العرب والأمازيغ وغيرهم.

وإذا أراد إردوغان في إثارته لخطاب «الإرث والتراث العثماني» في ليبيا، أن يعود للتاريخ، فلنعد معه لتفنيد حديثه وتوضيح بطلان زعمه وادعائه.

يقول التاريخ إن الليبيين حاربوا الاستعمار العثماني وثاروا ضده عدة ثورات خلال فترة وجوده في ليبيا. وإذا نظرنا إلى الفكر والأدب والشعر والتراث الشعبي الليبي كله قديمه وحديثه نجده يعتبر العثمانيون مستعمرين غرباء وليسوا بالتأكيد جزء من التراث الليبي. وإذا كان إردوغان ينظر لتاريخ الأسرة أو السلالة القرمنالية التي حكمت ليبيا من عام 1711 وحتى 1845، وتنتمي إلى أصول تركية، لتدعيم زعمه عن «الإرث والتراث العثماني» في ليبيا فإنه يرتكب خطأ تاريخيا كبيرا، أو أنه لا يفهم التاريخ، أو أنه يحاول للأسف تزوير التاريخ. يقول التاريخ الليبي أن أحمد القرمنالي مؤسس الأسرة القرمنالية، التي حكمت ليبيا هو ضابط في الجيش العثماني، انضم إلى ثورة شعبية ليبية وطنية قامت في طرابلس عام 1711 ضد الاحتلال العثماني، وضد الفساد المتفشي في البلاد. وقتل الثوار في تلك الثورة الباشا العثماني، وتمكن أحمد القرمنالي بعد ذلك من تأسيس حكم الأسرة القرمنالية، وإقامة دولة ليبية مستقلة، رفضت السيطرة العثمانية على ليبيا، ودخلت في عدة حروب مع الدولة العثمانية. وإذا نظرنا كتابات المؤرخين عن ليبيا خلال فترة حكم الأسرة القرمنالية، نجدهم ينظرون لليبيا بوصفها دولة وطنية مستقلة. وبما أن الشخصية الوطنية للغالبية العظمى من الشعب الليبي، هي شخصية عربية، فلقد تغلغت هذه الشخصية العربية للشعب الليبي في الأسرة القرمنالية وليس العكس، وأصبح القرمناليون ليبيون وطنيون، ولم يصبح الليبيون قرمناليين.

ويلاحظ التشابه الكبير بين وضع ليبيا أثناء حكم الأسرة القرمنالية، وبين مصر أثناء حكم محمد علي الضابط الألباني وسلالته التي حكمت مصر من بعده، وامتدت حتى حكم الملك فاروق. فلقد تغلغت الشخصية الوطنية العربية المصرية بداخل أسرة محمد علي الألبانية، التي اكتسبت الشخصية العربية المصرية، وتجسدت في وجدانها الساسي. وكان الملك فاروق آخر ملوك هذه الأسرة في مصر من أبرز القادة العرب، وفي عهده تم تأسيس جامعة الدول العربية، من قبل الدول العربية السبعة التي أسستها في القاهرة عام 1945 ومقرها مصر. ولكن إردوغان لا يفهم معنى هذه الحقائق التاريخية في ليبيا وفي مصر، ولا يعرف معنى العروبة في التاريخ العربي.

وعلى الرغم من استعادة الدولة العثمانية سيطرتها على ليبيا عام 1845، بعد أن قضت على حكم الأسرة القرمنالية، فإن نفوذها الفعلي في حكم ليبيا كان ضعيفا، واكتفت بإحكام قبضتها على الأمور الخارجية فقط. وكان الحاكم الفعلي بداخل ليبيا هو المهدي السنوسي، العربي الذي يعود إلى الأدارسة الذين قدموا إلى ليبيا من المغرب. ولم ينصب المهدي نفسه رسميا حاكما أو ملكا على ليبيا، حتى يتجنب الصراع والصدام مع الدولة العثمانية، ولكنه كان الحاكم الفعلي الذي دعمه والتف حوله الليبيون. وامتدت تلك الفترة حتى عام 1911، حيث قامت الدولة العثمانية بتسليم ليبيا إلى الاستعمار الإيطالي. من استعمار عثماني إلى استعمار إيطالي، هكذا يصف الليبييون تاريخهم في تلك الفترة. وبعد استقلال ليبيا عام 1952 توج إدريس السنوسي ابن المهدي السنوسي ملكا عليها، وبقي في الحكم حتى ثورة القذافي عام 1969.

وبالرغم من هذا التاريخ الليبي الوطني العربي الحافل بمواجهة ومحاربة الاستعمار العثماني ثم الإيطالي، يأتي إردوغان اليوم ليتحدث عن «الإرث والتراث العثماني» في ليبيا. أين هو هذا الإرث والتراث؟ إني لا أراه ولا يمكن لأحد أن يلمسه. إنه وهم موجود في ذهن إردوغان الذي يبحث عن سراب.

وللنقاش بقية في مقالة لاحقة...