لا صوت يعلو هذه الأيام على التداعيات التي أفرزتها أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لخير الخلق نبينا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، والتي نشرتها مجلة شارلي إيبدو الأسبوعية الفرنسية، وأثارت غضبًا واسعًا في مختلف أنحاء العالم، وكرد فعل لهذه الإساءة أقدم عدد من المتشددين على ارتكاب جرائم قتل بحق أبرياء لم يكن لهم من ذنب في نشر تلك الرسوم.

ومع التسليم بما سببته تلك الإساءات من ألم لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم، ومقدار الحزن الذي شعروا به لمحاولة الانتقاص من نبيهم الذي جعل الله حبه مقياسًا لمدى الإيمان في نفوس المسلمين، إلا أن ذلك لا يمثل عذرًا مقبولًا أو تبريرًا لما أقدم عليه بعض المتشنجين من اعتداء على الأنفس المصونة، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد نتجت عن تلك التصرفات المرفوضة وغير المدروسة آثار سلبية، تمثلت في تزايد معدلات الإسلاموفوبيا وإقدام متطرفين من الجانب الآخر على حرق مساجد ومهاجمة مسلمين أبرياء وزيادة في الإساءة للدين الحنيف.

خلال السنوات الماضية ثار جدل قانوني حول ضرورة إصدار تشريعات أممية تدين الإساءة للأديان والمعتقدات الدينية، لوضع حد لحالات الإساءة التي ظهرت في كثير من الأحيان، وتسببت في إيجاد حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وأُزهقت بسببها أرواح بريئة، انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، فبينما يرى آخرون ضرورة تلك الخطوة لوضع حد لحالة العداء واستشراء المشاعر الناقمة وظهور آفة الإرهاب، وحماية المقدسات الدينية، وتطويق مشاعر الكراهية التي تهدد التعايش بين الأمم والحضارات بما يؤدي إلى الإخلال بالسلم الدولي، ويشكل مساسًا خطيرًا بالكرامة الإنسانية، مؤكدين ضرورة إيجاد آلية للوقاية من التطرف والفتن الدينية والطائفية التي يسببها التحريض على الحقد الديني والعنف.

في المقابل فإن آخرين يرفضون هذه الخطوة، تذرعًا بتعارضها مع الحق في التفكير والتعبير، وخشية تكميم الأفواه، واحتمال استخدام ذلك في قمع المخالفين وتعزيز التطرف والتعصب الديني، ومنح الحكومات الحق في تحديد الأفكار المقبولة وغير المقبولة أخلاقيًا.

وبعيدًا عن تغليب أحد الرأيين على الآخر، فإن هناك أسئلة كثيرة تشرئِب بأعناقها بحثًا عن إجابات مقنعة، حتى إذا سلمنا بأن الإساءة للأنبياء والرموز الدينية تدخل ضمن الحق في التعبير، فهل هذا الحق أكثر أهمية من الحفاظ على النفس البشرية وضمان الأمن العام والسلم المجتمعي؟ وهل هناك حرية مطلقة بلا قيود ولا وازع ولا حدود؟ وقبل كل ذلك ما هو الهدف من تلك الإساءات التي تظهر بين فينة وأخرى؟ وماذا يريد مَن يقفون وراءها، وما هي أهدافهم؟

ويتفق معظم المفكرين والفلاسفة على أن الحرية إذا كانت مطلقة وبلا سقف فهي أكبر بوابات الفوضى والانفلات، حتى ظهرت المقولة المشهورة بأن «حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين»، لذلك ما من شك في أن التصرفات الاستفزازية المتكررة، بالإساءة إلى الأديان والأنبياء، عليهم السلام، هي السبب الرئيسي في انتشار الكراهية والتطرف والفتن، لذلك تزايدت الدعوات لإصدار تشريعات صارمة وواضحة لتجريمها بمواثيق دولية ملزمة، حماية للوئام المجتمعي، ومنعًا لأسباب تفشي العنف والاضطرابات.

ومع تزايد حالات الإساءة للنبي الكريم، عليه الصلاة والسلام، ومحاولات تشويه صورة الإسلام خلال الفترة الماضية، فقد فطنت منظمة التعاون الإسلامي لأهمية وقف تلك التجاوزات الخطيرة، إدراكًا منها لأنها تمد التنظيمات المتطرفة بمبررات البقاء، وتمنحها القدرة على تجنيد البسطاء والشباب المتحمس من قليلي المعرفة بأصول الإسلام، بعد أن تقنعهم بأنها تدافع عن حياض الدين، وهو ما تسبب في انتشار آفة الإرهاب التي دفع العالم كله ثمنًا باهظًا نتيجة جرائمها الفظيعة.

قدمت المنظمة في عامي 2009 و2011 مشاريع قرارات لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتجريم الإساءة للأديان، وإصدار تشريعات مُلزمة بهذا الشأن، ولكن للأسف فإن بعض الدول الغربية وقفت ضد تلك المشاريع ومنعت إقرارها، حتى في المرة الوحيدة التي تم فيها تمرير المشروع فإنه صدر بصيغة قرار غير ملزم، بعد أن عارضته عدد من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

وفي عام 2018 أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارًا تاريخيًا قضى بأن الطعن في شخص النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، لا يدخل ضمن حدود الحريات الشخصية، وأنه لا بد من إيجاد توازن دقيق بين الحق في حرية التعبير وحق الآخرين في حماية مشاعرهم الدينية، والحفاظ على السلام الديني في النمسا، وأتى قرار المحكمة تأييدًا لحكم أصدرته المحكمة الجنائية النمساوية بحق امرأة حاولت الاستهزاء بالنبي محمد، عليه الصلاة والسلام، والسخرية منه.

قرار المحكمة الأوروبية يصلح - من وجهة نظري - كأساس للنظر في الأمر من جديد، وأن تضطلع الأمم المتحدة بدورها في حماية الأمن والسلم الدوليين، عبر إصدار تشريعات واضحة تمنع التطاول على جميع المقدسات الدينية؛ لأن العالم اليوم لم يعد كما كان بالأمس، وبات أشبه بقرية صغيرة من غير حدود وفواصل، والإنسان بطبعه تحركه معتقداته الدينية التي إذا شعر بأي مساس بها فإنه يتحول إلى أداة تدمير لا تعي نتيجة تصرفاتها.

ختامًا لا بد من الإشادة بنهج الحكمة الذي اتبعته القيادة السعودية في التصدي لذلك التطاول، والأسلوب الهادئ الذي تعاملت به مع الأزمة، في مقابل آخرين ملؤوا الدنيا طنينًا وزعيقًا، ووزعوا الإساءات يمينًا ويسارًا، ولم يحققوا شيئًا غير زيادة حالة الاحتقان، وهنا يبدو الفرق واضحًا بين من يعمل في صمت ووفق رؤية واضحة، وبين تلك الأصوات العالية المزعجة الفارغة من أي مضمون أو معنى، لا هم لها سوى لفت الأنظار وجذب الانتباه.