ومن خلال الحديث عن البيئة التشريعية والتنظيمية، أشير إلى مسألة مؤرقة وهي إغلاق المحلات التجارية وتوقف الأعمال في أوقات الصلوات، والذي تنفرد به السعودية من بين كل الدول العالم، والتي أصبحت شللًا يصيب الحياة اليومية عدة مرات. واليوم قاربنا الأربعة عقود منذ صدور قرار الإلزام بإغلاق المحلات ومعاقبة من يتخلف عن تنفيذ هذا الأمر، وهو في الأصل قرار داخلي في رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس غريبًا أن العام (1407) الذي صدر فيه قرار إغلاق المحلات التجارية بعد الأذان، هو العام ذاته الذي بدأ فيه تغول هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحولها التدريجي من جهاز إرشادي، إلى جهاز بوليسي يراقب ويتجسس ويطارد ويحقق وينفذ العقوبات أحيانًا، وهو العام ذاته الذي بدأت به الصحوة تتمدد أكثر وتفرض هيمنتها على الخطاب الديني السعودي.
والصحوة في السعودية رسمت صورتها وضخمتها بمجموعة من المفردات التي عرفت بها، وصارت هذه المفردات علامات فارقة على سطوة زمان الصحوة وهيمنة خطابها، وهي أمور في أبعد تقدير خاضعة للرأي الذي يسعه الاختلاف ويشمله التنوع، ويأتي في مقدمة الأمثلة على ذلك كل ما يتعلق بشؤون المرأة، ثم ما يتعلق ببعض المظاهر الشكلية في الهيئة واللباس، وغيرها من غرائب زمان الصحوة، ومن ذلك مسألة القسر على صلاة الجماعة، وتكفير من لا يصلي في المسجد، ليس نظريًا، فهم يقرون بإثمه لا كفره قولًا، وإنما يكفرونه فعلًا من خلال الغمز واللمز ولحن القول، والتركيز على أحاديث وفتاوى كفر تارك الصلاة، وصفًا لحال من لا يصلي في المسجد.
كان السكوت عن الحكم الصحيح الصريح، أو الدليل الواضح في بعض المسائل، سبيلًا للحفاظ على سطوة الصحوة وهيبتها في المجتمع السعودي، وأصرح مثالٍ على ذلك: مسألة إغلاق المحلات التجارية وتوقف الحياة والعمل قبيل النداء للصلوات الأربع (الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء) التي ينشط فيها الناس لقضاء أعمالهم، ومن ذلك نص نبوي كريم يعتبر فيصلًا في مسألة عدم شرعية الإلزام بإغلاق المحلات، أو الإلزام بتوقف الأعمال لأداء الصلوات المفروضة: فعن عبد الله بن فضالة عن أبيه قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما علمني: وحافظ على الصلوات الخمس. قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع؛ إذا أنا فعلته أجزأ عني؟ فقال: «حافظ على العصرين». وما كانت لغتنا! فقلت: «وما العصران؟!» فقال: «صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها». والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود (ح: 454)، وقال: «إسناده صحيح»، وذكر الألباني تخريجًا موسعًا للحديث في سلسة الأحاديث الصحيحة (4/426)، ونقل عن الحافظ ابن حجر: أن الحديث محمول على صلاة الجماعة، وقال الألباني: «والترخيص إنما كان من أجل شغل له كما هو في الحديث نفسه». وفيما عدا صلاة الجمعة، التي جاء النص القرآني الصريح بترك البيع بعد النداء لها، امتثالًا لأمر الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع)، لم يذكر الشارع الحكيم معها أيًا من الصلوات الأخرى، ولو كان ترك البيع، ومصالح الناس واجبًا في غير هذا الموضع لبينه القرآن الكريم، أو السنة النبوية، ولهذا فيعتبر أمر إغلاق المحلات وتوقف الأعمال أثناء أداء الصلوات في المساجد، من الأمور المستحدثة التي لا أساس لها في الشريعة، ولم يأت الأمر به وقت تنزل الوحي.
والمعضلة تكمن في إجبار الناس على أمر فيه سعة، وليس في أن يفعله الشخص من تلقاء نفسه، فمن يرغب بالصلاة، يمكنه الصلاة، ومن يضطر لمواصلة العمل يمكنه مواصلة العمل، وأداء الصلاة متى ما سمح ظرفه، ما لم يفت وقتها، خصوصًا مع الضرر الواضح الذي لحق الناس، بمثل هذا القرار الذي تشمله سعة الإسلام وسماحة الشريعة التي جاءت برفع الضرر المتمثل في تقليل الوقت المتاح للتسوق، وتفويت حاجات المضطرين أو تأخيرها، وكذلك الإجحاف بحق أصحاب الأموال والأعمال والتجارة.
ويمكن لأي أحد أن يلاحظ مدى تشدد الصحويين في هذه المسألة، وقيامهم بحملات واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي على كل من يدعو إلى مناقشة هذا القرار، ومن طرق تلبيسهم على الناس في هذا الأمر، أنهم يخلطون بين فرضية الصلاة، وبين مسألة إغلاق المحلات التجارية، أو يخلطون بين أمر الإغلاق وبين حكم صلاة الجماعة.
فهل يوجد أصرح من هذا الحديث في هذه المسألة؟! وهل يوجد تسهيل وتيسير على الناس أكثر من هذا؟! وهل يفتي مشايخنا الفضلاء بفك عقدة هذه المسألة، عطفًا على هذا الدليل، ويخلصوا الناس من تسلط الخطاب الصحوي؟!