البيان الصادر عن وزارة الداخلية، الذي كشف أن التحقيقات الجارية توصلت إلى معلومات وأدلة تفيد بمقتل أطفال رانيا العباسي على يد مجموعات وميليشيات تابعة للنظام البائد.
وهذا لم يفتح ملف جريمة مروعة فحسب، بل فتح أيضا بابا واسعا على أسئلة مؤجلة منذ سنوات، فالقضية لم تعد تتعلق بمصير عائلة واحدة، مهما بلغت رمزية هذه العائلة في الوجدان السوري، بل إن ما جرى أعاد إلى الواجهة ملفا أكبر بكثير وهو ملف الجرائم التي لم تُكشف تفاصيلها بعد، والحقائق التي لا تزال مدفونة في الأرشيفات أو في ذاكرة الشهود أو في تسجيلات لم ترَ النور حتى الآن.
بحسب بيان الوزارة، فإن التحقيقات المدعومة بمعلومات ومقاطع فيديو شاركت بها الهيئة الوطنية للمفقودين، قادت إلى معطيات أولية تشير إلى تورط أمجد يوسف في الجريمة، مع استمرار العمل لكشف بقية المتورطين وتحديد كامل الملابسات.
لكن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في كشف خيط جديد في القضية، بل فيما يوحي به أيضا، فإذا كانت التحقيقات استندت إلى معلومات ومواد مصورة جرى جمعها وتتبعها على مدى سنوات، فمن الطبيعي الاعتقاد أن هناك ملفات أخرى لا تزال تنتظر دورها، وأن ما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى جزء من رأس الجبل الجليدي.
السوريون يعرفون اسم أمجد يوسف جيدا، إذ ارتبط اسمه بـ«مجزرة التضامن» التي تحولت تسجيلاتها المصورة إلى واحدة من أكثر الوثائق صدمة في تاريخ الثورة السورية، يومها لم يكن وقع الجريمة ناتجا عن عدد الضحايا فقط، بل عن رؤية الجريمة نفسها وهي تُرتكب أمام الكاميرا بدم بارد.
وهنا تحديدا تكمن إحدى أعقد المسائل التي ستواجه سوريا خلال الفترة المقبلة، فمهما كانت الروايات عن الجرائم مؤلمة، يبقى أثر المشهد المصور مختلفا تماما، إذ إن الكلمات تصدم لكن المشاهد المصورة تترك جروحا أعمق، وفي مجتمع لم تلتئم جراحه بعد، يمكن لمقطع فيديو واحد أن يعيد إنتاج مشاعر الغضب والخوف والاحتقان التي يحاول السوريون تجاوزها منذ التحرير.
لهذا لا يكفي أن نسأل كيف نكشف الحقيقة، بل يجب أن نسأل أيضا كيف نتعامل معها عندما تظهر، فالعدالة لا تعني بالضرورة نشر كل ما هو متاح من صور ومقاطع مصورة، ويوجد فرق بين استخدام الأدلة لكشف الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، وبين تحويل المآسي الإنسانية إلى مواد للتداول الجماهيري، وبعض الحقائق يجب أن تُعرف لكن ليس بالضرورة أن تُعرض كلها على الشاشات أو منصات التواصل الاجتماعي.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا أخذنا في الاعتبار أن جهات عديدة حقوقية وإعلامية وأمنية داخل سوريا وخارجها، تمتلك على الأرجح أرشيفا واسعا من الوثائق والتسجيلات المتعلقة بسنوات الثورة، وقد يظهر جزء من هذه المواد في سياقات قانونية أو حقوقية مشروعة، لكن بعضها قد يُستغل أيضا في لحظات التوتر السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، بما لا يخدم العدالة بقدر ما يغذي الانقسام ويؤجج المشاعر.
من جهة أخرى، أظهرت قضية العباسي أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الهيئة الوطنية للمفقودين، فإسهام الهيئة في توفير المعلومات والمواد التي دعمت التحقيقات منحت كثيرا من عائلات المفقودين أملا بأن سنوات الانتظار قد لا تنتهي بالنسيان، وأن الحقيقة ما زالت قابلة للاكتشاف مهما طال الزمن.
لكن الصورة تبدو أقل وضوحا عندما يتعلق الأمر بالعدالة الانتقالية، فكل حقيقة جديدة ستُكشف خلال المرحلة المقبلة ستحتاج إلى إطار وطني قادر على استيعاب آثارها القانونية والاجتماعية والنفسية، والسوريون بحاجة إلى مؤسسة حاضرة تشرح لهم ما الذي يجري وإلى أين تتجه هذه الملفات، وكيف يمكن تحقيق العدالة من دون الانزلاق إلى الانتقام أو الفوضى.
فالعدالة الانتقالية ليست محاكمات فقط، إنما أيضا إدارة للذاكرة الجماعية، وحماية للمجتمع من أن يتحول ألمه إلى انقسام جديد.
ما شهدناه خلال الأيام الماضية يؤكد أن الجرح السوري لا يزال مفتوحا، فمجرد انتشار معلومات عن المصير المأساوي لأطفال العباسي كان كافيا لإثارة موجة واسعة من الحزن والغضب داخل سوريا وخارجها، وهذا أمر طبيعي، فلا أحد يستطيع أن يتعامل ببرود مع قصة أطفال اختفوا لسنوات قبل أن تتكشف نهايتهم بهذه الصورة المروعة.
لكن ما هو مفهوم على المستوى الإنساني يجب أن يدفعنا أيضا إلى التفكير فيما هو أبعد من الصدمة الآنية، فالتجربة السورية نفسها توحي بأن ما كُشف حتى الآن قد لا يكون سوى بداية مسار طويل من كشف الحقائق، ومن المرجح أن ملفات أخرى ستظهر وجرائم أخرى ستنكشف، وربما تخرج إلى العلن تسجيلات أكثر قسوة مما يتخيله كثيرون، وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال فقط ماذا جرى؟ بل هل نجح السوريون في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الحقيقة إلى عدالة، أم أن الحقيقة نفسها ستتحول إلى مصدر جديد للألم والانقسام؟
نافذة:
ما هو مفهوم على المستوى الإنساني يجب أن يدفعنا أيضا إلى التفكير فيما هو أبعد من الصدمة الآنية.