عزيزي السيد أنتوني بلينكن أهلاً. أصبحت وزير خارجية أمريكا، الدولة العظمى في العالم، وسيكتب الكثيرون من الكتاب والصحفيين والباحثين عما هو المفروض أن تفعله، وأيضا ستسمع كثيراً من النصائح من المستشارين والسياسيين في أمريكا وحول العالم، ولا شك أن قبل هذا وذاك أنت لديك تصور معين للأمور، فأنت لست غريباً عن الخارجية الأمريكية، أنت أحد أبنائها، لكن إذا كان لي من اقتراح لك فسأطلب منك طلبين قد يبدوان غريبين بعض الشيء!

أنت أحد خريجي النخبة هارفارد وكولومبيا، وعادة من يتأسس في جامعات النخبة تكون لديه نظرة خاصة للأمور، مهما أبحر في بحور السياسة واكتسب خبرات وأصبح أكثر نضجاً، وعملياً يبقى هذا التأسيس مطبوعاً كأنه جزء من (دي إن أيه).

سأكلمك عن الشرق الأوسط، منطقة المشاكل المزمنة، وهنا سأحاول أن أتكلم إليك كباحث، ومن وجهة نظر علمية وعملية، وسأعترف أني أحد المنتمين إلى مدرسة (السياسة الواقعية)، لكن أريد أن أكون موضوعياً قدر الإمكان. صحيح أني سعودي الجنسية، لكني ليس لي أي علاقة عمل أو مال بالحكومة السعودية، ويمكنك التأكد من ذلك.

رغم أن الشرق الأوسط منطقة أزمات منذ أمد بعيد، لكن قد تتفق معي أنها الآن تختلف كثيراً عما كانت عليه حتى قبل سنوات قليلة، ربما تغيرت منذ كنت نائباً لوزير الخارجية، فالمقاربة وطريقة التعامل أيضا تختلف. كل إنسان سوي يحب السلام، ويحاول قدر الإمكان تجنب المشكلات، وإيجاد أفضل الحلول الممكنة، لكن ليس هناك حل سهل لأخطر ملف يهدد بتدمير المنطقة، بل إشعال العالم وهو الملف النووي الإيراني.

تبدو بعض الخيارات أقل صعوبة وإلى حدٍ ما أكثر قرباً من عقلية الباحث والسياسي المثقف، مثل إعطاء الإيرانيين بعض التنازلات والتغاضي، وقد يقول قائل نعم صحيح أن الاتفاق النووي الإيراني السابق لم يكن كاملاً، وفيه عيوب، ولكن دعونا نبني عليه ونعالج النقص، وحتى من عملوا عليه سابقا يعترفون أنه ناقص وقد أدى النقص إلى مآسٍ كثيرة، وإطلاق يد إيران في المنطقة، لكن المشكلة الكبرى في هذه الحجة أنها تحمل عنصرين غير متجانسين أو متضادين.

إن الهدف من الاتفاق الأول على الأقل من وجهة نظر الأمريكيين، لم يكن لزيادة مآسي السوريين مثلاً، بل ظنوا أنهم يدعمون توجهاً أو تياراً إصلاحياً في إيران، مما سيبنى عليه شيء أكثر استقراراً لاحقاً، ولكن استخدم الاتفاق أسوأ استخدام من خلال نية سيئة مبيتة عند النظام الإيراني.

ففي الوقت الذي كان الأمريكيون والأوروبيون يبذلون جهداً للوصول إلى نقاط تقارب، وتخطي العقبات للوصول لأفضل الصيغ التي ترضي الطرفين، كان الإيرانيون يبذلون الجهد نفسه في كل فقرة للبحث عن أي ثغرات أو نواقص، لكي لا تؤثر

في خططهم التوسعية. إذن الموضوع ليس نقصا في الفقرات، بقدر ما هو اختلاف كلي في روح الاتفاق وجوهره. كان كلا الطرفين ينظر للاتفاق بصورة مختلفة جذريا، أحدهما يبحث عن الحلول والآخر يبحث عن الثغرات أو يتفاوض لوضعها. إذن عملية إعادة تأهيل النظام لم تكن ناجحة منذ البدء حتى يبنى عليها لاحقاً لجعله عضوا سليماً في المجتمع الدولي.

ورغم كل ذلك قد يقول قائل، إن أفضل حل لاتفاق معيب، هو اتفاق جديد جيد يغطي العيوب، ولن يرفع التوقعات لإعادة تأهيل النظام والبناء عليه كما كانوا يأملون سابقاً، بل صفقة صارمة تضع حداً لخطر نظام الملالي، وهذه تبدو حجة جيدة. لكن قبل أي اتفاق جديد مع إيران إذا أمكن، أريد من سعادتكم أن تشاهد فيلم (أحلك ساعة) والضغوط والحجج التي قدمت لونستون تشرشل. أعرف أنك موسيقي، وتقدر الفنون، لكن هذا الفيلم الذي قد تستمتع بمشاهدته من منظورين فهو عمل فني رائع وأيضا عمل سياسي أروع، قدمت فيه كل الحجج السياسية القوية التي تدعو تشرشل للتفاوض مع هتلر، وكأن كاتب السيناريو باحث في أحد مراكز الفكر السياسي، فلقد صاغه بطريقة مقنعة تشبه كثيراً تفكيرنا في المراكز الأكاديمية السياسية أو (ثينك تانك)، ورغم كل هذه الطريق المقنعة الأسهل، فإن تشرشل اختار الخيارات الأصعب والأقل شعبية، وكانت ردوده ذات حجة بليغة لا تقل عن حجج مخالفيه، وكم كانت جميلة المناظرات السياسية في الفيلم، لكن عمليا كما نرى اليوم، هذه القرارات الصعبة أنقذت العالم، حتى يا سيد بلينكن لو لم تأخذ بحجج تشرشل في مفاوضاتك مع إيران، يمكن الاستمتاع بمشاهدة أحد روائع الأفلام ولن تندم.

لدي اعتقاد أن ميزة الأمريكيين في العقود والصفقات هي جزء من المشكلة في الاتفاق النووي الإيراني! تقريبا الجميع حول العالم يحب عقد الصفقات مع الأمريكيين في البزنس والاقتصاد لأنه يعرف الطريقة الأمريكية الشهيرة. الأمريكيون تركيزهم على جوهر الاتفاق وتنفيذه وبالنسبة للأمريكي فإن العقد شيء مقدس وبعد التوقيع يعتبر نهاية كل المفاوضات وبداية التنفيذ، بينما بالنسبة للإيرانيين يعتبرون العقد بداية شيء وهي كيفية التفلت من التنفيذ. لقد ردد الأمريكيون أثناء المفاوضات كثيراً عبارة (لا اتفاق، أفضل من اتفاق سيئ)، لكن للأسف خرج الاتفاق ناقصاً وأدى لمآسٍ لاحقة. عموما حتى مع اتفاق جيد فإن الإيرانيين بطبعهم صبورين جداً لانتظار الفرصة في المفاوضات أو بعدها لخرقه أو إخراجه من مضمونه. لا أظن أنك تستطيع إقناع أي إنسان في العالم بالبقاء سنة كاملة بالصبر بالعمل البطيء نفسه لصنع سجادة واحدة غير الإيرانيين! والمشكلة الأخرى أن النظام له وجهان، الوجه الذي يفاوض مع ابتسامة ومصطلحات غربية، والوجه الآخر الذي يوجه ويقود وينفذ الأفعال السيئة. لا يوجد تياران في إيران كما يدعي البعض، هناك تيار متشدد مسيطر، يجلب بعض الوجوه المبتسمة لتحسين الصورة لا أكثر. من الصعب تصور أن نعطي نظاماً إيرانياً أوعز لحزب الله والنظام السوري بقتل الكثير من الأطفال الأبرياء، سلاحاً نووياً، دعونا نكن واقعيين، كل طاغية قدر له أن يملك السلطة وحيداً وأعطي قوة في العالم عبر صفحات التاريخ الإنساني، فإنه أحدث دماراً هائلاً، وكان الأسوأ بينهم من كانت لديه أيديولوجيا أو توجهات دينية!

أما طلبي الآخر فهو غريب أن يأتي من عربي بعض الشيء، وهو أن تشرك الإسرائيليين في المفاوضات، لا أحد يعرف النظام الإيراني مثل إسرائيل، قد لا أتفق مع كثير من تصرفات الحكومة الإسرائيلية، ولكن من ينقل الأرشيف الخاص بالبرنامج النووي الإيراني من إيران إلى إسرائيل، يجب الاعتراف بأنه يعرف أدق التفاصيل عن إيران، والإسرائيليون عاشوا في المنطقة، ويعرفون كيف يفكر النظام الإيراني.

من الصدف الغريبة أنه قبل فترة، كتبنا عدة مقالات نريد تبني مسار جديد للتعاون بين العرب واليهود في المنطقة، وهو ليس العلاقة المباشرة مبدئيا، بل عن طريق آخر وهو يهود أمريكا وخصوصا نيويورك، ليكونوا همزة الوصل، ووضعنا عدة أسباب لاستخدام هذا الجسر بين العرب وإسرائيل، ولم يكن يخطر ببالنا وقتها وزير خارجية أمريكا سيكون من يهود نيويورك. فيهود أمريكا ونيويورك فيهم عقلانية في التعامل وصفات أخرى كنت أراها ملائمة لحل الخلافات وتطوير الشرق الأوسط. طبعا في السياسة لا أرى كثيراً أن الخلفية العرقية ستؤثر في نجاح المهمات أو كفاءة الأشخاص، لكن أعتقد أن وجود يهودي من نيويورك، سيكون أكثر ارتياحا لإسرائيل والعرب لأخذ مصالحهم ومصالح دول المنطقة بعين الاعتبار. أعرف جيداً أن هذه القاعدة قد لا تنطبق على روبرت مالي، لكن من يعلم ماذا غيرت السنين السابقة في نظرة مولي الاتفاق. قد يقول قائل إنك ربما قلت لربورت (أنت صنعت الاتفاق النووي في البدء، وهناك خلل وثغرات فيه، وأصبح معطلاً فأصلحه وقم بتحديثه!). لكن أعتقد أن فريق الأحلام وأفضل توليفة للتفاوض مع الإيرانيين (إذا جمع بشكل أو آخر)، هو أن يحتوي الوجه العقلاني النيويوركي، القادر على إتمام الصفقات مثلكم، وأيضاً الوجه العارف لأدق تفاصيل المنطقة، وأيضا يعرف عقلية وألاعيب الإيرانيين مثل الإسرائيليين. في نهاية المطاف إذا نظرنا من منظور مختلف، فإنه شيئا جيدا أن يجمع الفريق موسيقيا ذا حس مرهف، ورجلاً أنيقاً يدعى (الموديل). قد يعترض الإيرانيون، لكن لا ننسى أن جزءًا كبيراً من فشل الاتفاق القديم، هو عدم إشراك دول المنطقة، ومنطقيا لا ألوم أي دولة في أن تشترك في مفاوضات مع عدو يحاول الحصول على سلاح نووي ويهدد يومياً بمسحها من الخريطة! وربما إشراك دول الخليج في المفاوضات القادمة سيكون منطقياً، فهي تعاني من البلطجة الإيرانية بشكل شبه يومي من خلال قرصنة السفن أو الهجوم على أرامكو أو إرسال الصواريخ والدرون من اليمن، والعرب يقولون (الذي يده في النار ليس كمن يده في الماء)، فهم يعرفون ويعايشون السلوك الإيراني.

عندما أراجع مواقفك سيد بلينكن، أعتقد أنك تستطيع تغيير صورة الإدارات الديمقراطية في نظر النظام الإيراني، وسهولة الحصول منها على ترضيات، فأنت تسمي الأمور بمسمياتها، أنت من القلائل الذين انتقدوا حتى إدارتهم الديمقراطية أيام الخطوط الحمراء في سورية. أتمنى كثيرا أن يطبق عمليا في هذه المرة مبدأكم الذي ذكرتموه سابقا، «أن لا اتفاق، أفضل من اتفاق سيئ»، ولا ننسى أنه في نهاية المطاف يمكن الحصول على نتائج مماثلة للاتفاق الإيراني بطرق أخرى أكثر تعقيداً، أو كلفة، لكن ربما الجميع في البدء يفضّل الطرق الدبلوماسية، لكن إذا أصر الإيرانيون، فلا بد من اعتبار الخيارات الأخرى، (تستطيع أن تقود الحصان إلى الماء، لكن لا تستطيع أن تجبره أن يشرب).