سؤال مباشر كم كاتب أو إعلامي سعودي أو حتى خليجي يمكنه أن يرفع التلفون أو يرسل رسالة إلى تحرير صحيفة الفيغارو أو نيويورك تايمز أو التايمز البريطانية، ويسألهم أو يستفسر منهم عن خبر أو تقرير غير صحيح، يناقشهم حوله، وتكون له مكانة ورأي مسموع على الأقل، ولا نطمح لكلمة نفوذ، ولكنه رأي له تأثير في هذه الصحف العالمية؟

سأغير السؤال لصيغة أقل حدة، من هو الكاتب الصحفي السعودي أو الخليجي الذي له ثقل في الإعلام الدولي، والذي إذا جاءت سيرة المنطقة أو إحدى موضوعاتها يعتد برأيه؟ لا أتكلم عن بعض التقارير الإعلامية حين يختارون أقرب واحد أو أي واحد للاتصال به من أجل أن يقولوا استمعنا إلى وجهة نظر الطرفين؟

هذا مجرد افتتاح لسؤال ربما هو الأهم في الوقت الحالي، وهو أن الملاحظ أن كثيرا من مسؤولي الإدارة الأمريكية الجديدة، كانوا يعملون في مراكز الفكر والأبحاث. هناك عرف شائع خصوصا في أمريكا، أن المسؤول الحكومي -غالبا- عندما تتغير الإدارة الأمريكية يذهب في الأغلب إلى ثلاث جهات، مراكز الأبحاث والفكر والجامعات أو القطاع الخاص أو الشركات الاستشارية. وعندما تأتي إدارة أمريكية من حزبه نفسه، يتم إرجاعه للمناصب الحكومية وهكذا دوليك. لذلك تلاحظ أن كثيرا من مسؤولي إدارة ترمب كانوا في مراكز أبحاث أو فكر. وهنا يأتي السؤال العتيد، كم سعوديا موجودا في مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية كزميل مخضرم أو لنقل أن له نشاطا وعلاقات مع مراكز الأبحاث والتفكير الأمريكية، لأنها مطبخ السياسات الأمريكية؟. حسب علمي أعرف اثنين وأحدهما رجع!

بينما إذا رأيت اللوبي الإيراني في أمريكا، تجد تركيزه الكبير على مراكز الفكر والأبحاث لأنه عرف اللعبة، وهناك اختراق من اللوبي الإيراني لهذه المراكز وأعدادهم لا باس بها! وأيضا يحاولون التأثير والتقرب حتى من صانعي القرار المستقبلي في أمريكا.

هل هناك دبلوماسية نشطة للتواصل مع مراكز الأبحاث والفكر؟ صراحة لا أرى أثراً ملموساً! لكن لماذا؟

من باب الشرح والتبسيط للقارئ الكريم، في مراكز الفكر والأبحاث نتكلم لغة سياسية تختلف جذرياً عن الحديث السياسي العامي الدائر الذي يراه المشاهد في القنوات مثلاً، فهو حديث شبه أكاديمي يستخدم النظريات السياسية والاجتماعية للنقاش والحجج، قد يصعب على غير المختصين فهم دهاليزها، فالحجة قد تبنى على فرضية أو نظرية سياسية، ومن ثم دراسة العوامل ووضع الظروف ومقارنة (مع وضد)، ومن ثم وضع التصور وربما اختبارها من خلال المقارنة النوعية والعددية، لست في طور الشرح التفصيلي للمناظرات والمحاججة الأكاديمية السياسية، لكن بالمختصر هناك لغة نسميها بشكل عام (اللغة المؤسساتية)، وهذه اللغة يجب أن يجيدها كل من يحاول التقرب أو الالتحاق بمراكز الفكر والأبحاث. بما أن عدد الأصوات السعودية أو الملتحقين بمراكز الفكر كزملاء قليل جدا، إذن كم من دبلوماسيينا يجيد هذه اللغة؟ ربما أستطيع القول بناء على تجربة شخصية لا أستطيع تعميمها أنهم نادرون. من رأيته يجيد لغة المؤسسات، عدد قليل جداً، ولكن حتى بعض الزملاء الآخرين يقولون إنهم لم يقابلوا الكثير من المتمكنين في بعض سفاراتنا ممن يجيد اللغة المؤسساتية، لذلك يوجد نوع من العزوف من بعض سفاراتنا عن المشاركة أو التواصل مع مراكز الفكر والأبحاث في بعض الدول، فأسهل شيء إغلاق الطريق وقطع العلاقة، وعدم التواصل، ولا زلت أذكر قصة معروفة لأحد الأصدقاء عندما كان هناك دكتور في العلوم السياسية ينتقد المملكة بشدة، فتواصل معه الصديق وعرف ما هي المشكلة، ووضح له الصورة الحقيقية وأصبح صديقاً للمملكة، بينما بعض أعضاء السفارة طالبوه بالبدء بقطع العلاقة وعدم تضييع وقته معه، وربما من طالبه بذلك لا يملك المهارات أو اللغة لتوضيح صورة المملكة فأسهل شيء المقاطعة!.

على العموم حتى في المملكة نواجه نقصا في مراكز الفكر والأبحاث، بل نحن من أقل الدول في عدد مراكز الفكر، وفي عام 2013 كتبت مقالا (بعنوان أرقام لا تصدق)، كان وقتها عدد مراكز الفكر في أمريكا 1815 بينما المملكة كان لديها 4 فقط، حتى الدول العربية مثل الأردن وتونس كان لديها 17 و 18 مركز فكر على التوالي، وإيران كان لديها 32 مركزا، أما إسرائيل فكان لديها 54 مركز فكر وأبحاث، ومنذ ذلك الحين لم تتغير الصورة في عدد مراكز الفكر المحترفة، لدينا ربما مجهود رائع ملموس لكنه وحيد للصديق الدكتور محمد السلمي في مركز رصانة عن الشؤون الإيرانية، ولكن يد واحدة لا تصفق.

ومختصر الحالة ثلاثة أمور:

إعلامنا محلي، ولا يعرف كيف يخاطب العالم بلغته وأسلوبه، وإذا كان - ربما- عندنا بعض الإعلاميين أو الكتاب الكبار، فهو كبير بين ربعه وأصدقائه الإعلاميين، وليس له ثقل دولي هذا إذا ما كان مهايطيا بعد!

لا يوجد لدينا عدد حتى وإن كان قليل من السعوديين في مراكز الفكر التي تطبخ سياسات الدول أو تنسج العلاقات مع المسؤولين المستقبليين في الدول، وللأسف بعض سفاراتنا لا تنسج علاقات أو تشارك بأنشطة لهذه المؤسسات أو المراكز، وربما البعض منهم لا يجيد اللغة المؤسساتية، أولا يعرف كيف يرد الحجج بالطريقة المؤسساتية، لذلك أسهل شيء هو تجاهلهم أو التعاقد مع شركات العلاقات العامة التي أثبتت عدم نجاعتها في كثير من المواقف.

ثالثا عدد مراكز الفكر والأبحاث لدينا قليل جدا جدا، لذلك صعب أن تنسج علاقات مع مراكز الفكر الأخرى حول العالم من أجل المشاورة والتعاون، أو تغيير الصورة، أو النفوذ.

ونرجع للسؤال المتكرر الذي ما زال يبحث عن إجابة، مرت حوالى 20 سنة من 2001 ولم نتمكن من صنع متحدث واحد يفهم العقلية الغربية والإعلام الغربي مثل الجبير، سأغير هذه المرة بسبب كثرة إعادته، وسأقول، تصور كيف سيكون الحال لو كان لدينا 4 متحدثين لبقين أذكياء يعرفون التعامل ولغة العالم الآخر وكيف يفكر، ويدافعون ويشاركون في المناظرات عن المملكة ومصالحها خلال الـ 20 سنة الماضية؟

مختصر القول، لا مراكز فكر مؤثرة، ولا إعلام أو إعلاميين مؤثرين، وهل ما زلنا نتساءل ليه الإعلام الغربي يشن علينا الحملات، وبعض السياسيين الجدد شاد حيله بانتقاد مجهودات البلد، وليه كثير منهم لا تصله الصورة الحقيقية؟!

بصراحة «المحلي يبقى محلي» والعالمية صعبة قوية - مع أنها جملة تقال بالرياضة - لكن من الممكن استخدامها في السياسة أيضا.