بدت الرحلة التي قطعها التأمين من مرحلة التحريم السابقة إلى حالة الضرورة الحالية شاقة وطويلة، وشهدت كثيراً من المنعرجات والتحولات، والشد والجذب.

ويعد التأمين حديث النشأة، وبدأ عبر التأمين البحري في القرن الـ14 في إيطاليا، لكنه لم ينتشر ويعرف بأنواعه المختلفة إلا مع بداية القرن الماضي، حيث كانت ألمانيا أول من وضع له قانونا عام 1901.

وكانت الغاية من التأمين الوقاية من الخسارة بالتعويض، وقد عرّفه مصطفى الزرقا بأنه «نظام تعاقديٌّ يقوم على أساس المعاوضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظمة تزاوِل عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية».

وعقد التأمين من عقود المُعاوضات المالية، وليس من عقود التبرعات، لأنه يقوم على أساس المبادلة، ويستهدف فيه كلا الطرفين الحصول على منفعة مقابل ما يؤديه إلى الطرف الآخر.

ويقوم عقد التأمين في الإسلام على الاجتهاد في استنباط أحكامه، ويعد من العقود الاحتمالية، وليس العقود المحددة، لأن الحادث المؤمن ضده من الأمور التي يتوقع المؤمِّن والمؤمَّن له حدوثه في المستقبل، فالحادث غير موجود عند التعاقد، لكنه يحتمل الوجود في المستقبل، وهو من العقود المُلزمة للجانبين وقت إبرامه لأن الالتزامات في هذا العقد متقابلة، والزمن فيه عنصر جوهري فمدته محددة الزمن، كما أنه عقد رضائي، ويعد من عقود الإذعان لأن المؤمِّن طرف قوي يملي إرادته على طرف ضعيف وهو المؤمَّن له، ويقوم المؤمِّن بإعداد عقد التأمين مسبقا، ولا يملك المؤمن له إلا التوقيع عليه ودفع البدل، خاصة في التأمين الإلزامي.

إثارة الجدل

مع اختلاف أنواع التأمين من التعاوني إلى التجاري، بدا هذا الأخير هو الأكثر إثارة للجدل من حيث مشروعيته من عدمها، وقد ووجه سابقاً بالتحريم محلياً، حيث سُئل الشيخ ابن باز السؤال التالي:

«أنا تاجر وعندي مستودعات وأستورد بضاعتي من الخارج بطريقة الحساب المفتوح، أي بدون اعتمادات وطبعا بمبالغ كبيرة، وبما أن هذه المبالغ على ذمتي للناس الذين يرسلونها لي وأرغب في التأمين على تلك المستودعات حفاظا عليها من الأحداث مثل الحريق وخلافه، فهل لفضيتلكم إعطائي فتوى من الناحية الشرعية؟ هل التأمين عليها حرام أم حلال وفقكم الله وشكرا».

وكان جواب الشيخ على السائل:

«درس مجلس هيئة كبار العلماء موضوع التأمين، وقرر: أن التأمين التجاري محرم لما يشتمل عليه من الغرر والربا، فالتأمين على المستودعات أو على النفس أو على سيارة أو على أي شيء هذا التأمين التجاري الصحيح فيه أنه محرم، وإن أفتى بعض الناس بحله لكن لا وجه لذلك، فإنه عملية مشتملة على الغرر والربا فلا يجوز.

لكن التأمين التعاوني بين الناس لا بأس إذا كان تجمع جماعة واتفقوا على شيء يطرحونه، كل واحد يطرح كذا وكذا لما يقع بينهم من الكوارث يستعينون بهذا الشيء، فهذا تأمين تعاوني ليس فيه ربا ولا غرر، أما التأمين التجاري الذي فيه الغرر وفيه الربا فهذا لا يجوز».

تغير الأحوال

ساهم تغير الأحوال في رؤية مغايرة للتأمين التجاري من الناحية الشرعية، حيث إن التأمين التعاوني القائم على التبرع لا ينسجم مطلقا مع وظائف التأمين وغاياته الذي بات لازما، والحديث عن كونه ضرب من ضروب القمار، انطلاقا من أن العميل يدفع مبلغا أقل لشركة التأمين ليحصل على مبلغ أكبر منها حال حصول الخطر، فيما الشركة تأخذ قسطا من العميل على أمل ألا يحصل حادث أو خطر للعميل، فتفوز بالقسط دون أن تخسر شيئاً، وهو ما يتجلى في التأمين مثلا على المركبات، إلا أن بعض المتخصصين رأوا أنه لا وجه للمقارنة بين القمار والتأمين، فالغاية بينهما مختلفة، فهي في القمار تقتضي أن فوز أي طرف يستلزم خسارة الطرف الآخر، وهذا محرم شرعا، أما في التأمين فالغاية هي التعاون لعدم حصول الخطر، وكلاهما من مصلحته عدم حصول الخطر لأنه يترتب على كليهما خسارة مالية.

وباتت عقود التأمين اليوم تشتمل على بنود أهمها نسبة التحمل، وهي نسبة مالية يدفعها العميل حال حصول الخطر، وكذلك التعاون بين الطرفين للحد من مصادر الخطر كاشتراط شركة التأمين على العميل تركيب أجهزة إطفاء في التأمين ضد الحريق، أو تعزيز إجراءات الأمن في التأمين ضد السرقة وما إلى ذلك.

وبالتالي فلا بد من وقوع الخطر في المقامرة، وهي بالتالي تختلف عن التأمين الذي تبقى غايته التعويض في حالة وقوع الخطر مع تعاون الجميع على عدم وقوعه.

درء ذريعة الغرر

استُنبط الغرر من أن المؤمن يسدد القسط دون أن يعلم إن كان الخطر سيتحقق أم لا، والشركة تأخذ التأمين دون أن تعرف إن كانت ستدفع التعويض أم لا، لكن العمل التأميني اليوم يقوم على العلم، وليس المجازفة، فالشركة تحدد النسبة المئوية التي تدفعها لمجموع المؤمنين، وتقوم بإعادة التأمين على الخسارة المحتملة وبالتالي لا غرر من طرفها.

والغرر المنهي عنه في العقود هو الغرر الفاحش الذي يوقع أحد الأطراف في خسارة فادحة، أما الغرر الذي لا يُفضي إلى ضرر فاحش أو إلى نزاع فلا ضير فيه، وقد أجاز العلماء بيع الثمار المتلاحقة على الأشجار، كما أجازوا الزيادة في السعر مقابل ضمان المبيع.

كما أن المالكية أجازوا الغرر في العقد إذا دعت الحاجة إليه، وعلى مستوى التأمين، فإن فيه حاجة، وحفظا للمال ودرءا لخطر أكبر بخطر أصغر، وهو يحفظ الثروة ويبقيها قائمة وثابتة ومعلومة.

نفي مسألة الربا

حرم التأمين بداية لأنه يقوم حسب محرميه على الربا، فما تدفعه شركة التأمين للعميل أو ورثته ربما يكون أقل من أقساطه أو يساويها أو يفيض عليها، لكن المنطق لا يجعل عقد التأمين من عقود الربا، فمهمة عقد التأمين جبر الضرر وإعادة المتضرر لما كان عليه قبل الضرر، وهو ليس مبادلة مال بمال، كما أن شركة التأمين ملتزمة بإصلاح الضرر بالطريقة التي تراها مناسبة، كالإصلاح أو التعويض المالي، أو غيرها من الطرق، وبالتالي فهدف التأمين التكاتف ضد حصول الخطر والتعويض عن الأضرار المترتبة عليه في حال حصوله.

لماذا صار التأمين ضرورة

منذ بدء الخلق والإنسان محاصر بجملة من المخاطر التي قد تلحق به خسائر تصيبه في شخصه أو ممتلكاته أو ذمته المالية، ومع التوسع والقفزات المذهلة في الاقتصاد والتكنولوجيا والاختراعات، تنوعت المخاطر، وبات من المهم إيجاد وسائل أحدث للتعاطي معها، والحد من تكرارها ومن الخسائر الناجمة عنها.

ويركز التأمين على حماية الأفراد والمنشآت من الخسائر، ولم يعد دور شركات التأمين يقتصر على دفع التعويضات للذين تعرضوا للخطر، بل باتت تدير الأخطار، وتختار أنسب الوسائل لمنعها وتقليل الخسائر الناجمة عنها.

نمو كبير

توقع تقرير اقتصادي نموا سنويا في سوق التأمين بالمملكة بمعدل 5% بين عامي 2019 وحتى 2024 بالتزامن مع نمو سوق التأمين في دول الخليج.

وأوضح التقرير الذي أصدرته شركة Alpen Capital المتخصصة في الاستشارات المصرفية والاستثمارية، أن سوق التأمين في دول مجلس التعاون يتوقع له نمو بمعدل سنوي مركب 4.3% مرتفعا 29.2 مليار دولار (109.5 مليارات ريال) في 2019 إلى 36.1 مليارا في 2024، مضيفا أن قطاع التأمين شهد نموا سريعا في دول المجلس بعد انخفاضه بين 2016 - 2018 حيث شهد قطاع التأمين بالكويت نموا بنسبة 8.2%، وفي الإمارات 4.2%، فيما شهد التقرير أن سوق التأمين بالمملكة شهد نموا سريعا بسبب التطورات التي شهدتها البنى التحتية فيها، والأعمال الجديدة التي تم توفيرها، وبرنامج السياحة المنتعش، إضافة إلى الزيادة المتوقعة والسريعة في عدد النساء السائقات.

التأمين التجاري

01 التأمين على الحياة

02 التأمين ضد الحوادث

03 التأمين على النقل

04 التأمين ضد الحريق

05 التأمين ضد السطو على المساكن وسرقتها

نمو التأمين بدول مجلس التعاون بين 2019 - 2024

مجموع دول الخليج 4.3%

السعودية 5%

الكويت 8.2%

الإمارات 4.2%

نمو أنواع التأمين

التأمين على الحياة 4.9%

التأمين غير الحياتي 4.3%