تحدث الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» محمد باركيندو عن أن عام 2021 سيكون أفضل من العام الماضي بعد بدء خروج العالم من عنق الزجاجة، إثر جائحة فيروس كورونا المستجد. وأبدى توقعاته بحاجة قطاع النفط لمزيد من الاستثمارات بواقع 13 تريليون دولار بشكل تراكمي حتى عام 2050. وأضاف أن ذروة النفط لم تحن بعد، وهو أيضاً ما أشرت له في مقالات سابقة، من أن الطلب على النفط سوف يستمر مدفوعاً بأمور أساسية أهمها، عدم وصول العالم إلى مستوى اعتمادية عال لبدائل الطاقة التقليدية، وتكاد تكون الحلول غير موجودة في الأفق فيما يتعلق ببدائل وسائل نقل الطائرات والقطارات وشاحنات النقل والبواخر العابرة للقارات.

ونجد على الجانب الآخر تصريحات وزير الطاقة السعودي سمو الأمير عبدالعزيز بن سلمان الذي بعث بخمس رسائل مهمة لقطاع النفط الذي يشهد انتعاشة حقيقية بعد أزمة بدأت منذ عام 2019، وبدأ بالعودة إلى مستويات ما قبل 2017. حيث أكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن حالة عدم اليقين لا تزال تحيط بالموقف النفطي، وأن التعديلات التاريخية للإنتاج النفطي التي قادتها السعودية ساعدت في هذه الانتعاشة للأسواق، كما أن العالم يجب أن يعمل بصورة جماعية لتعزيز جميع مصادر الطاقة التقليدية وغير التقليدية، كما أن الشفافية ساعدت في هذه العودة، وأن وضع السوق سوف يستمر بشكل أفضل ما دام التعاون موجودا في أسواق الطاقة.

علاوة على ذلك، كان تصريح الوزير بشأن أحداث تكساس وموجة الصقيع التي أثرت على مولدات الطاقة المتجددة، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن كثير من المدن والقرى هناك. بعث برسالة مفادها أن السعودية ودول «أوبك» ستكون مع الولايات المتحدة للاستفادة من مصادر الطاقة التقليدية النفطية في حال احتاجت لتجاوز أزمة الطاقة التي تكون عادة مرتبطة بفصل الشتاء في أمريكا وأوروبا، ما يجعل الحاجة ملحة دائماً لوجود الطاقة التقليدية كمصدر لإمداد الكهرباء.

تأتي كل هذه التبعات في وقت كان الإعلام الغربي يتحدث قبل أشهر قليلة بأن النفط والغاز سيصبحان من الماضي في عام 2045، الذي هو في رأيي حديث غير موضوعي البتة. ولكي يستطيع أن يفهم القارئ الكريم ما هو سبب عدم الموضوعية هذه، فإنه أولاً يحتاج أن يفهم بشكل منطقي ومتعقل ما هو مستقبل النمو البشري على كوكب الأرض ومستقبل الطاقة بشكل عام والطاقة الأحفورية بشكل خاص، ونسبة مساهمتها المتوقعة في هذا النمو البشري. مما لا شك فيه أن الدول التي لا تمتلك موارد طاقة أحفورية سيهمها كثيراً أن يتخلى العالم عن الطاقة الأحفورية، وأن يعتمد كلياً على الطاقة المتجددة مما سوف يمنحها كدول فرصة المنافسة في سوق الطاقة، وكسب حصة اقتصادية كبيرة لتعزيز مواردها ونموها في ظل توقعات اقتصادية بانخفاض معدلات النواتج المحلية للدول الكبرى غير النفطية.

هناك أربعة عوامل رئيسية ستشكل مستقبل الطاقة وهي: نمو التعداد البشري الذي سيبلغ 9.5 مليارات نسمة مقارنة بما هو اليوم عليه 7.7 مليارات نسمة أي بزيادة %23 لمجموع سكان كوكب الأرض، أيضاً الانخفاض المتوقع في إنتاج الطاقة من الفحم الحجري الذي يمثل حاليا %25 من مصادر الطاقة عالميا، وهو المسؤول عن %35 من معدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء CO2، والانخفاض المتوقع في قدرة إنتاج النفط الصخري بدءا من 2030، وأخيراً الطفرة الصينية والهندية الحضارية والتقنية التي ستمثل ما نسبته %40 من مجموع الناتج المحلي العالمي في 2045، مقابل تراجع إجمالي الناتج المحلي الأوروبي بمقدار %28، في حين سيتضاعف مجموع إجمالي الناتج المحلي العالمي مما هو عليه الآن.

وبأخذ هذه العوامل في الاعتبار، نجد أن كثيراً من شركات النفط العالمية بدأت بالفعل ضخ المليارات لتعظيم كفاءة الإنتاج الأحفوري والاستثمار في مجالي النفط والغاز، وذلك للوفاء بالطلب العالمي الذي هو في رأيي سيزداد بعد تجاوز جائحة كورونا منتصف صيف 2021، بمشيئة الله، وهو ما أدلى به أيضاً السيد محمد باركيندو ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة من ندوة منتدى الطاقة العالمي ووكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك التي استضافتها المملكة عبر الفيديو قبل أيام.

وأخيراً، فإن الطلب العالمي لن يكون خاضعاً فقط لمحددات اتفاقية المناخ العالمي، بل أيضاً للطلب الهندي والصيني المتسارع على الوقود الأحفوري وأيضاً خيارات الزبائن التي ترتبط مباشرة بالقيمة مقابل كفاءة الاستخدام.