في نظري أن التعامل مع المعتقدات الفاسدة، والأفكار الضالة، يكون بتفكيك خطاباتها، واجتثاث أفكارها، بعلم وعدل، وحجة قوية دامغة للباطل، وأما مجرد رفع الشعارات أو اللوحات دون كشف للشبهات، أو ثقافة السب والهجاء، فهي وإن كانت مقدورة لكل أحد مهما كان مبلغه من العلم أو الجهل، إلا أنها لا تشفي عليلاً، ولا تروي غليلا، وقد رأينا أصحاب الثورات والفتن يرفعون لوحات وشعارات تتضمن الدعوة إلى العدل والحقوق، وأن الإسلام هو الحل.. إلى آخر شعاراتهم التي يريدون كسب الناس من خلال رفعها، وخداعهم بها، فما زادهم ذلك إلا سفهاً وضلالاً.

وقديما: رفع الخوارج شعار: لا حكم إلا لله، بل ورفعوا المصاحف على أسنة رماحهم، لكن صحابة رسول الله لم يلجؤوا إلى شعارات مماثلة، بل ركنوا إلى الحجة والدليل والبرهان، فقذفوا بالحق باطل أهل الأهواء فأصابوه في أم دماغه، فإذا هو زاهق، فالحق إنما هو بالدليل والبرهان والحجة قال تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإِذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون).

ويتضح مسلك الصحابة رضي الله عنهم في دمغ الباطل وأهله، بما أجراه الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنه من حوار علمي مع الخوارج، فقد استمع رضي الله عنه إلى شبهاتهم ثم فندها شبهة شبهة بعلم وعدل، فرجع منهم ألفان إلى الحق، وبقي من أُشرب هواه، وأعرض عن الحق على باطله، إذ الأمر كما قال تعالى: (ومن يرد اللَّه فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وقال تعالى (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور).


فأوصي نفسي ومن يطلع على هذا المقال باتباع صراط الله المستقيم، واتباع الهدي النبوي، والاستمساك بغرز النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهج صحابته الكرام ومن تبعهم من أئمة الإسلام وأهل العلم الراسخين، والحذر من سبل أهل الضلال ومسالكهم، وقد قال الله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).

وفي الحديث (وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه: (من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم).