قرأت مقال الناقد أسامة الواصلي في الجزيرة الثقافية بعنوان «الصحوة ببرنيطة»، وأعدت قراءته مرات، ليس لأنه أعجبني فقط، بل لأن أدواته الحداثية في تفكيك البنية الصحوية تستحق التأمل، لأن بعض سياقاته التفكيكية تفتح سؤالاً مشروعًا حول موقعه داخل الحداثة: هل يتحرك بثقة كاملة داخل هذا الإطار، أم أنه يختار منطقة بينية تمنحه حرية الحركة دون إعلان الانتماء؟ ليس السؤال عن النوايا، بل عن «الموقع الذي يتشكل من أثر تاريخي طويل» لأن قناعتي الفكرية – التي أعرضها ولا أفرضها - تجعلني أرى البنية بلا سياق نصف تحليل، والتفكيك بلا تاريخ مجرد لعب لغوي، لكني أستمتع بقرائته على كل حال.

فالبارادايم الصحوي، الذي رسم بخشونه خطوطه الحمراء عبر عقود في الفضاء العام، ما زال يعمل في الوجدان الثقافي على هيئة «هابيتوس» يفرض على بعض الكُتّاب حذرًا لغويًا، أو ما يشبه «أرضية البراءة من الحداثة» والواصلي - رغم حداثية أدواته – يراوح بين تفكيك حداثي وما بعد حداثي، دون استدعاء أي مفهوم تراثي، ومع ذلك يكتب كما لو كان خارج الثنائية التي يحاول نقدها.

لهذا استمتعت بالمقال، لكن الهابيتوس الصحوي بدا حاضرًا في بعض جزئياته، فالكاتب ينجز نقدًا حداثيًا صريحًا، لكنه يرتدي وشاح القاضي حين يسعى إلى نزع «الصلابة» عن مفهومي التراث والحداثة، محذرًا من التعامل معهما ككيانات صلبة، غير أنه – في هذا التجريد – أسقط من حسابه السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي منحت هذين المفهومين صلابتهما في الوجدان العربي منذ مشروع محمد علي، مرورًا بما بعد سقوط الدولة العثمانية، وصولًا إلى اللحظة التي تحولت فيها ثنائية «التراث والحداثة» إلى معركة مفتوحة بعد هزيمة 1967م وصعود الإسلام السياسي، ثم تجذرها خلال الحرب الباردة، وانفجارها متفسخة بعد 11 سبتمبر.


نعود للمقال حيث وقع الواصلي في ما نهى عنه: إذ يمنح الصلابة لمفهوم واحد فقط هو «الصحوة» فيصفها بأنها كيان «يحتكر التعريف، ويحمي الأسماء، ويستدعي السلطة، ويدير الخلاف كمعركة ولاء»، ثم يعمم ميكانيزمها على ما يسميه «تياري التراث والحداثة»، وهنا مكمن اللبس: فهو يمرر مفهوم «المحافظ» كمقابل موضوعي للحداثي، دون تحرير دقيق للمفهوم.

والحقيقة أن «المحافظة» كلمة واسعة، لكن المؤكد أن الصحوة لم تكن محافظة يومًا، كانت «انغلاقًا» يتخفّى تحت اسم المحافظة، أما الحداثة فليست أيديولوجيا، بل «إطار معرفي» يستوعب المحافظ كعبدالله الغذامي، وغير المحافظ كأدونيس، بينما الصحوة – في جوهرها – أصولية انغلاقية مشغولة بتحويل الدين إلى أيديولوجيا، مع عداء شديد للفنون، عداء للعلوم الإنسانية، عداء للحداثة، تقديس الذات، رفض التعددية، وخوف عميق من العالم.

ولهذا فإن وصف التراث والحداثة بأنهما «عناوين مضطربة» ليس دقيقًا، الاضطراب – إن وجد – فهو في المتلقي الذي تشكّل وعيه تحت وطأة البارادايم الصحوي منذ الثمانينيات، من «الحداثة في ميزان الإسلام ط1/1988م، طبعة أخرى 2002م» إلى «المناهي اللفظية ط1/1989م، ط3/1996م»، هذا التاريخ الثقيل هو الذي يجعل بعض القرّاء يعيشون قلقًا مفهوميًا، يحاولو معالجته بدواخلهم فينزلقون إلى تفكيك عدمي، بينما الحداثي الطبيعي لا يرى أي تناقض في ارتباط عبدالله الغذامي بابن قتيبة، أو أدونيس بالنفري، ومحمد أركون بالتوحيدي ومسكويه، ومراد وهبة يؤسس الجمعية الدولية لابن رشد... إلخ.

عندما يقول الواصلي إن «الثقافة السعودية لا تنتقل ببساطة من محافظة إلى حداثة، ولكن من إجماع قسري إلى تعددية لم تنظم أدواتها بعد» يظهر أثر الهابيتوس الصحوي في رؤيته للمحافظة، فالثقافة السعودية «محافظة سوسيولوجيًا» قبل الصحوة، ثم بقيت «محافظة حضاريًا» بعدها، تمامًا كما هي الثقافة البريطانية التي تعد محافظة دون أن تكون منغلقة، ومن هنا يتضح الخطأ المنهجي في الخلط بين «المحافظة على التراث والثقافة» – وهي محافظة طبيعية في المجتمعات ذات الامتداد القبلي والعشائري – وبين «الانغلاق الأيديولوجي» الذي فرضته الصحوة تحت لافتة المحافظة، إلى الحد الذي ألغى بعض مظاهر الفلكلور والتراث الثقافي المتنوع، وامتد إلى إتلاف الآثار التاريخية أو التحذير من التعاطي معها وإبرازها للعالم.

الصحوة اليوم لم تعد موجودة، لكن بارادايمها ما زال يلقي بظله على من يخشى إعلان حداثته، أو يكتب وكأنه في معركة لم تعد قائمة، وهذا طبيعي في منطق «الديالكتيك»: فالبنية القديمة تم نفيها، لكن بعض مظاهرها تستوعب داخل الإطار الجديد، والواصلي – بكل وعيه النقدي – ليس إلا نتيجة طبيعية لهذا الديالكتيك بين الصحوة والواقع الجديد.

وما دامت إمكانية السؤال قائمة فنحن بخير، ومقال الواصلي نفسه دليل على أن السؤال لم يمت، وأن الثقافة لا تزال قادرة على إنتاج نقد حي، فإن اختفى السؤال، بقيت العناوين وحدها، كحصرم يتقمص حلاوة العنب.

وأخيرًا ربما كان من الضروري – في سياق هذا النقاش – أن أصرح بموقفي الشخصي من الدولة الحديثة، لأن جزءًا من الهابيتوس الصحوي الذي ننتقده يقوم على إخفاء الموقع الفكري تحت لافتة «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء».

وأنا – في بداياتي – كنت سلفياً تقليدياً في موقفي من الدولة، أقف معها فيما أراه خادمًا للدين وأهله، وأصمت عنها منكرًا بقلبي ما لم يستوعبه عقلي السلفي البسيط، لكن حين أدركت الفارق الجوهري بين الدولة قبل ألف سنة – حيث لم تكن المستشفيات وخطوط الطيران ومحطات الكهرباء والتحلية جزءًا من شروط العمران – وبين الدولة الحديثة التي تقوم على البنية التحتية والتنمية المستدامة، وجدتني أتحول إلى موقف هيغلي صريح: الارتباط بالدولة الحديثة ليس خيارًا، بل هو شرط لتحرك عجلة التقدم الحضاري لأهلي وناسي.

وعلى هذا سارت بي رحلتي الفكرية دون خجل، ودون ذلك الخوف المرضي الذي يدفع بعض الكتاب أو النقاد أو القصّاص إلى تبرير أنفسهم بعبارة «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» فهذه البراغماتية – مهما تلونت – تبقى براغماتية سمجة، حتى وإن كانت البراغماتية نفسها فكرة حداثية.

يبقى الموقف من أدونيس؟ إنه يشبه موقفي من استشاري جراحة قلب هندوسي، من الطبيعي أن أختاره ليعالج أحد أقاربي، وأفضله على جرّاح مبتدئ يحفظ المتون الستة، فعندما أقرأ في الأدب والشعر، سأقرأ لأدونيس كما أقرأ لامرئ القيس أو بودلير، وسأقبل هدية الريحان من يد عجوز جنوبية في أبها وأنا ذاهب لمناسبة اجتماعية، كما سأقبلها من يد عجوز يونانية في أثينا وأنا أتجول سياحة، لكن إن رغبت في الإجابة على مسألة فقهية فسأرجع إلى «الروض المربع شرح زاد المستقنع» في مكتبتي، وموقفي من كتب هنري كيسنجر أنها ستكون ضمن مراجعي التي أثق بها لفهم السياسة الأمريكية، أكثر من ثقتي بكتب التراث، إلا إذا أصبت بـفجوة تاريخية تجعلني أظن أن سياسة الروم قبل ألف عام هي سياسة الحزب الجمهوري أو الديمقراطي اليوم.

ولا تنس عزيزي القارئ: أن الانشغال بمعرفة الأشياء عبر ظلالها اللغوية وحدها يضلل عن حقيقتها، فالمعرفة لا تستخرج من اللغة في فراغ، بل من الضوء الذي يصنعها: «التاريخ والاجتماع والسياق...».