يعتقد أن السبب الأكثر رواجا هو القلق، وهو سبب قوي جدا بالنظر لما يعيشه الإنسان الحديث. فالعالم صار أكثر قلقا مما يحتمل. ولكن من أين يأتي كل هذا القلق؟ وكيف يمكننا التعامل معه؟
لدى الكثيرين لا يوجد سقف لما يمكن التوقف عنده. فالحصول على الكفاية المادية يعني البحث عن طرق لمزيد من الوفرة، ثم مزيد من الثراء، وكذلك المؤهل العلمي العالي يتحول إلى دافع للحصول على مؤهل أعلى، والاستقرار الأسري لم يعد مسارا للنمو والبناء والتجذر بل أصبح مرحلة جمود يحاول البعض التمرد عليها، وهكذا. وكأن الوصول إلى وجهة ما لم يعد ممكنا، والاكتفاء لم يعد واردا.
قلق العصر ليس مرضا ولا يستطيع أي طبيب أن يقدم وصفة مثالية لعلاجه، هو أشبه بمناخ يومي نعيش داخله ونتبع قوانينه وننفذ أجنداته. نستيقظ على صور مواقع التواصل، أخبار الآخرين، أخبار الحرب أو جريمة هنا أو شائعة هناك، ثم نقضي يومنا بين مخاوف صغيرة وكبيرة وضغوط واقعية وافتراضية، تنعكس تدريجيا على أرواحنا وأجسادنا.
صحيح أن الرفاهية التي تعيشها البشرية اليوم غير مسبوقة، لكن ندرة الطمأنينة والهدوء جعلتها معقدة وغامضة إلى حد كبير.
كما يمكننا أن نرى أن النجاح نفسه تحول إلى مصدر للضغط للحفاظ على صورة معينة، أو الحصول على استحقاق أعلى أو تفاعل أكثر.
في هذا العالم القلق كل شيء يعمل لإبقاء الناس في حالة استيقاظ واستنفار دائم. التكنولوجيا تحولت من وسيلة معرفة وإنجاز إلى آلة لإنتاج التوتر الجماعي.
هذا القلق هو أيضا مربح، فقد نشأ حوله اقتصاد كامل، شركات ومصانع تبيع الطمأنينة. منتجات تجميل وترميم لتهدئة مخاوفنا من التقدم في العمر، برامج تطوير تدور حول الإلحاح على مخاوفنا من الفشل وقلة الإنتاجية، تطبيقات صحية تراقب نومنا ونبضنا وخطواتنا. وكأنما السوق يغذي لدينا شعورا دائما بأننا متأخرين ومعرضين لنقص ما أو خسارة ما.
الأسرة أيضا دخلت في دورة القلق العالمي. أصبحت البيوت مليئة بالأجهزة وأصبح لكل فرد عالمه الخاص وقلقه الخاص.
من هنا يبدو الإنسان اليوم مرهقا حتى عندما لا يعمل، متوترا حتى في أوقات الراحة، عاجزا عن الصمت، يحتاج إلى ضجيج دائم حتى يتعامل مع قلقه المستمر.
أعتقد أنه يجب أن يتخذ كل منا خطوات صغيرة، فعل صغير واع، الاستمتاع بالإجازات القادمة مثلا، الخروج من قلق التواصل الاجتماعي، إغلاق التنبيهات، تقليل الاستهلاك وإهمال الإعلانات، لا مجاملات ولا ضغوط اجتماعية، والتفاؤل دائما بأن الغد سيكون أفضل.