تناولت في مقالات سابقة العلاقة التشاركية ما بين القطاع الخاص والقطاع الثقافي، والمبادرات الثقافية للوسط الاقتصادي، خاصة في سياق المسؤولية الاجتماعية للشركات، أو المبادرات الفردية، حيث يلعب رجال الأعمال دورًا محوريًا متعدد الأبعاد. كحواضن غير رسمية للحراك الثقافي المتمثلة في المنتديات والصالونات الأدبية، والمؤسسات الثقافية والفنية، ورعاية التراث وترميم المواقع الأثرية.

فالثقافة اليوم أصبحت منظومة تشاركية يشكل رجال الأعمال فيها الركيزة الأساسية والمحرك الرئيس لتحويلها من مجرد إرث تاريخي إلى اقتصاد حضاري وإبداعي، عن طريق الاستثمار في الصناعات الثقافية والفنية، ودمج التراث بالاقتصاد الرقمي، وتعزيز الثقافة المؤسسية. وإحالة التراث عبر التكنولوجيا الحديثة إلى منتجات ثقافية.

فالاقتصاد الثقافي أحال الثقافة إلى أصول وموارد اقتصادية، وذلك بتحويل الفكر والفن والتراث إلى منتجات ثقافية/ اقتصادية. بدأنا نشهد رجل الأعمال الذي يجمع بين عالمي المال والفكر، ويصنع قيمة اقتصادية وثقافية في آن واحد، ومثقفون اقتصاديون لا ينتظرون الفرص الثقافية بل يصنعونها ويتحركون كسند حقيقي للثقافة، شركاء في تنميتها وذلك بتمويل المؤسسات الأدبية والمراكز الثقافية، كما هو الحال في مبادرة الدكتور ناصر الرشيد والمتمثلة في بناء جمعية حائل الأدبية، ومبادرة الأديب سعيد العنقري في تشييد جمعية الباحة، والشربتلي والمتمثلة في بناء جمعية جدة، والأديب عبد المنعم الراشد في إنشاء بيت الحرفيين، ورائدة الأعمال آية البكري الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية، وتحويل حي جاكس في الدرعية إلى مركز ثقافي، ومبادرة فن جميل لدعم المجتمعات الإبداعية، ومبادرة الأديب عبدالمقصود خوجة لتكريم المبدعين، ومبادرة المهندس عبد المحسن بن محمد الزكري والتي تتمثل تأسيس المركز الحضاري بمدينة حوطة سدير والذي يعد أحد المراكز الحضارية على مستوى منطقة سدير، ومسرح المهندس محمد بن سعد البواردي، والذي يتميز ببنائه التقليدي على شكل حدوة حصان والذي يعد تحفة معمارية على الطراز الروماني، شيد كمركز ثقافي وترفيهي مخصص للمناسبات الوطنية، والمؤتمرات والندوات والمهرجانات والفعاليات الثقافية، ودار تراث الوشم بشقراء التي أسسها الدكتور عبد اللطيف الحميد، كمركز ثقافي وتراثي وتاريخي بارز، والتي تهدف الى توثيق وحفظ ثقافة وتاريخ وتراث منطقة الوشم، ومتحف العقيلات الذي أسسه الباحث عبداللطيف صالح الوهيبي، كمعلم تاريخي بارز يوثق تاريخ العقيلات، ويحتوي على مقتنيات تراثية نادرة ولوحات فنية ووثائق وصور قديمة وخرائط طرق تجارية، ومركز القصيم العلمي الذي يتمثل في واحة عبد الله حمد الزامل للعلوم، وأكاديمية محمد بن حمد الشبيلي العلمية.


فعندما وضعت وزارة الثقافة الشكل الجديد للثقافة بإطلاقها مجموعة واسعة من المبادرات الثقافية. عند ذلك أصبحت الشراكة مع القطاع الخاص ملائمة لواقع الثقافة الجديد والأقرب إلى روحها، ولذلك لا يمكن لأي ثقافة أن تتقدم ما لم تنتم إلى عالم الشراكات وتصبح جزء من العالم الثقافي الحديث.

إذ لم يعد القطاع الخاص منعزلا في بيئاته الخاصة، بل أصبح طرفًا أساسيًا في كثير من المعادلات الثقافية وبخاصة بعد أن طرحت وزارة الثقافة حزمة من المبادرات والمشاريع الثقافية بنظام الشراكة مع القطاع الخاص.

فمع رؤية 2030 حدثت نقلة نوعية كبرى في الشراكات الثقافية. أحدثت تغييرات تتواءم مع متطلبات الجيل الجديد، تهدف إلى إثراء المشهد الثقافي وتعزيز الهوية الوطنية وتحويل الثقافة إلى نمط حياة. أحدثت مبادرات وزارة الثقافة تحولات جذرية إيجابية في النسيج المجتمعي، حيث انتقلت الثقافة من إطارها التقليدي إلى نمط حياة يومي، حولت الثقافة الفراغات والفضاءات إلى مساحات إبداعية، ومعارض فنية، ومراكز تجمع تفاعلي، وورش تدريبية، ومسارح مفتوحة، ومتاحف. أصبحت الثقافة ركيزة أساسية في برنامج جودة الحياة، وجزء من النسيج الاجتماعي اليومي حيث تحظى مبادرات الوزارة بتفاعل حيوي واسع، ما عزز حضور الثقافة في الحياة اليومية، وكسرت النخبوية، وطورت المشهد الحضري للارتقاء بجودة الحياة.