منذ وجودنا على هذه البسيطة ونحن في كل يوم نضطر للتعامل مع شخصيات جديدة بتركيبة مختلفة، بعضها سهلة ميسرة، وبعضها صلبة كالحديد، والبعض بين ذلك، ونسبة قليلة قد تكون بها مسحة من جنون. مصداقاً لذلك ما ورد في حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب».

فاختلافات بيئاتنا وتنوع طبائعنا، وفروقنا الفردية وتعدد اتجاهات ومرئيات ووجهات النظر، خلقت صراعات ونزاعات فيما بيننا. لكن قد يقول البعض إن ذلك كله أوجد للاختلاف متعة ولذّة، لرؤية النسخة الجديدة في هذا العالم، وكسر روتين الحياة. فلو كان الجميع نسخة طبق الأصل من الآخر، لن يُطاق العيش في هذا الكوكب. ستهرم النفس، وتلبس ثوب العاهة المزمنة، ويقبر التطلع للجديد والحماس للتغيير، إذ إن الجميع متفق على أن التنوّع هو مصدر قوّة وإقدام واتّقاد تحدٍّ جديد في الحياة، يعود بالنهاية على المجتمع بالرقي والازدهار، والارتقاء بقدراته. وكما قيل إن التنوّع هو ما جعل أمريكا دولة عظيمة يرغب الناس في العيش فيها، وهو ما ذكره ستيفن إيه في كتابه «تعلّم استخدام ما تعرفه بالفعل».

فالاختلافات سنة كونية، وظاهرة لا غبار عليها، تتبع مسارين من الأهداف، إما عام وإما خاص. الاختلاف يمهد لنا الوصول إلى أفكار موردة، وشراكة في أوجه الحياة المتعددة. بالإضافة إلى ذلك، يعطينا دائرة أوسع لحل المشكلات ببدائل عدة مختلفة، وأيضاً يكون فرصة لتعلم جوهريات الحياة الأساسية، ومنها أن تؤمن بأن هناك اختلافات لدى المرأة والرجل، لذا لن يفهم الرجال مشاعر النساء، لأنهم ليسوا نساء، والعكس. ولن يفهم البيض أثر العنصرية المشتعلة ونار التفرقة والتميّيز العنصري في أمريكا، لأنهم ليسوا سودا. ولن يفهم الشخص قوي القلب جامد العواطف مشاعر وأحاسيس من يسمع بقلبه لا بإذنه، لأن لكل شخص مناخاً مختلفاً عن الآخر، فلا نستطيع ضبط الجميع تحت درجة حرارة ثابتة. لذا الحل الوحيد لفهم وجهة نظر الآخرين في مثل هذه الحالات هو أن تكون واحدا منهم، فتعيش مشاعرهم وتتفهّم سلوكياتهم، ففهم مشاعر الآخرين وأفكارهم واتجاهاتهم واحترامها يحقّق للفرد تكيّفاً اجتماعياً عاليّ المستوى.


استتماما لما سبق، فمن الأفضل استغلال التنوّع والاختلاف بإحراز تقدّم ملحوظ على المستوى الشخصي والمهني والاجتماعي، والمرونة في مزج الفروق الفردية، وخلّق موقف مرضٍ لجميع الأذواق، لأنه في الحقيقة لا توجد حلول بيضاء وسوداء، ولا صحيحة وخاطئة، بنسبة 100 %، إذ إن لكل شخص وجهة نظر ومبررات وظروف تجعل من الحل الخطأ تحت هذه الأجواء وفي هذه المواطن صحيحا.

كل ما هو مطلوب منّا «التكيّف»، فهو سرّ الاندماج والتجاوب مع الآخرين وقبولهم، بداية من قبول الذات والثقة فيها، وانتهاء بالسعي للتوافق مع شرائح المجتمع ومذاقاته، لتكتشف كيف يفكر الناس وماذا يريدون، وكيف تقدر لهم ذلك لتكسب محبتهم واحترامهم. فالإنصاف والموضوعية وعدم التعصب للرأي من مفاتيح نهضة وتقدم المجتمعات. الاختلاف ليس كراهية وعدم قبول، هو فقط مذاق بنكهة مختلفة من التفكير، فدعونا نفكر لنختلف.