لم يكن أكثر المتفائلين في 25 أبريل 2016، عندما أطلق خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - «رؤية المملكة 2030»، يظن أن هذا التاريخ هو بداية أكبر تحول في تاريخ الجزيرة العربية نحو التنمية المستدامة بفعل حقيقي، مدروس بعيد النظر، واسع الخطوة.

بالأمس، 25 أبريل 2021، أكملت «رؤية 2030» خمس سنوات من الركض في ميادين الإبداع والتحولات السريعة على كل المستويات المتعلقة بالإنسان السعودي والمكان السعودي، لتنتج الزمان السعودي الأبهى والأجمل، حيث شهدت المملكة تغييرات سريعة شاملة لجميع مناحي الحياة، عمل عليها فريق عمل شاب من الأسرة الحاكمة ومن غيرها، يقودهم أمير الحلم السعودي صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد - حفظه الله. هذه التغييرات كانت من الجرأة والجِدة ما سبب صدمة ومفاجأة أدت إلى إعادة صياغة العقل السعودي من جديد باتجاه الإيجابية، والانفتاح المحمود الذي يهب الحياة حقها في الجريان، والعبور الحر الواسع عبر منافذ الروح والنفس، فتحوَّل المجتمع السعودي إلى مجتمع مدني يواكب عصر التنمية والحداثة بشكل مفتوح، بلا عوائق أو تردد أو توجس من الغريب أو الجديد.

يستحق هذا التاريخ (25 أبريل) أن يحتفى به في كل عام، غير أن الاحتفاء الحقيقي هو السعي الحثيث لمساندة «رؤية 2030»، وإنجاح مساعيها لإيصال الوطن إلى بغيته المنشودة، فالرؤية تبدأ من المجتمع وتنهي به، حيث له الدور الأكبر في تنفيذها، إذ هو المتأثر الوحيد بها، ونجاحها يعتمد على فهمه إياها بأبعادها، وكذلك المسؤوليات التي تقع على عاتقه بترجمتها لتكون واقعا، وما تم في هذا الصدد خلال خمسة أعوام فاق كل التوقعات حينما تماهى الشعب السعودي مع قيادته، وانطلق خلف حلم القيادة لسعودية الغد.


عاملان رئيسان كانا سر نجاح الرؤية حتى الآن - والمزيد من العوامل قادم: الأول وعي المجتمع بها، والثاني البداية الصحيحة المنطلقة من تصحيح الفعل الحكومي التنفيذي، فالوصول لاقتصاد قوي لن يتحقق بوصفة سحرية، والرؤية ليست من قبيل هذه الوصفات، بل هي رحلة شاقة مليئة بالتحديات والصعوبات والمسؤوليات والمهام، ومطلوب فيها، وبصفة ملحة، التكاتف وبذل الجهد. وقد كان لقدرة الأجهزة الحكومية على تنفيذ المطلوب منها في هذه السنوات الخمس المحدد الرئيس لترجمة هذه الرؤية إلى واقع، الذي لن يكون فعالا إلا بمعايير جودة وتقييم ورقابة من مختلف الجهات وأطراف المجتمع المعنية، ومحاسبة عالية وشفافة.

كان الحمل الأكبر، والثقل الحقيقي ملقى على عاتق الأجهزة الحكومية؛ لأنها تضمنت بدايات التغيير وأساسه بهيكلة أعمالها وأدوارها التي حُددت بناء على خطط كل جهاز حكومي، ودوره داخل الرؤية، فالبداية بهذا التوجه الكبير نحو تنمية مستدامة واقتصاد مرن ونشط تبدأ من الأجهزة الحكومية، وتغيير تشريعاتها وأنظمتها وأدواتها وأدوارها ومهامها.

ومنذ انطلاقة الرؤية كانت هناك نتائج ملموسة وواضحة لأن تصبح المملكة في مصاف الدول الأفضل عالميا بتكاتف واضح بين الجهات الحكومية، وبتفاعل من أبناء الوطن، وكان من أبرز المسرعات لهذه النتائج، بل ومن أهم المكاسب السريعة لهذا التغيير وهذه الرؤية المباركة، زيادة مشاركة المرأة، وتمكينها من الحصول على الفرص المناسبة، وتعزيز الترفيه بكل أشكاله، وتمكين الشباب.

يقول خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز - أيده الله - في كلمة المملكة التي ألقاها أمام أعمال الدورة الخامسة والسبعين لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: «إن السعودية اختارت طريقا إلى المستقبل من خلال رؤية المملكة 2030، التي تطمح من خلالها إلى أن يكون اقتصادها رائدا، ومجتمعها متفاعلا مع محيطه، مسهما بفاعلية في نهضة البشرية وحضارتها».

«رؤية 2030» قدمها سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - تحقيقا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - بوضع أهداف إستراتيجية تعبر عن طموحاتنا وتعكس قدرات بلادنا. ومنذ إعلان «رؤية المملكة 2030» وهي تواجه حملات مسعورة من الشكوك والاتهامات وتضليل الرأي العام، تزعمتها مواقع أجنبية وحسابات مشبوهة، وحفنة خونة أوغاد، وذلك بسبب أن الرؤية اضطلعت في برامجها وإصلاحاتها المباشرة وغير المباشرة بالقضاء المبرم على جميع أنواع التطرف والإرهاب، ومحاصرتهما بكل الطرق والوسائل والسبل، وهو ما نجحت فيه بجدارة غير مسبوقة، خصوصا حينما بدأت بعملية استئصال الورم السرطاني البشع الذي كان يفسد الحياة والأعمال في المملكة، وهو الفساد، الذي شكَّل له خادم الحرمين الشريفين لجنة عليا لمكافحته برئاسة ولي العهد، والتي انتهى عملها في يناير 2019 باستعادة 400 مليار ريال تم إيداعها في الخزينة السعودية.

لم يكن اعتماد الرؤية في هذا التاريخ المبارك هينا على الأعداء والمنافسين الذين حاولوا إعاقة الجهود بكل وسيلة متاحة، ولكنهم فشلوا كما فشلت الجائحة الكونية «كورونا» - بفضل الله تعالى - في قهرنا أو ثنينا عن تحقيق رؤيتنا، ومواصلة السير قدما في بناء جوانبها وأصولها وأسسها، وكلي يقين أن الحرب الحقيقية على المملكة وعلى رؤيتها لم تشن بعد، حيث إنه من المرجح أن تتضافر قوى التطرف والإرهاب والفساد ضد قيادتنا ومجتمعنا ومقدراتنا وشركاتنا واستثماراتنا، حيث كانت حربنا السابقة ضد الوكلاء والخونة الأوغاد فحسب، ولهذا يجب علينا أن نعد مضاداتنا ودفاعاتنا للقادم المختلف من الآن، ويجب أن يكون قادة السياسة وقادة التغيير وقادة الاقتصاد وقادة الإعلام السعوديون في القادم من الزمان أمراء حرب، وليسوا تنفيذيين تكنوقراط فحسب، وهذه هي متطلبات المرحلة القادمة، فالسعي لتحقيق الرؤية هو مشي على أحجار مدببة حافي القدمين.

أخيرا.. لتحقيق طموحات الرؤية بشكل عميق يجب أن تواكب كل هذه التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تغييرات جذرية وعميقة على الناحية الفكرية، ومراجعة منظومة الأفكار التي بني عليها تفكير المجتمع وفكره.