مررت في رمضان بالصدفة بالحارة القديمة في أملج، حيث الطفولة، حيث البحر وأصوات الصيادين ومراكب صيدهم تغدو صباحا مساء باحثة عما كتب الله من رزق في لجة البحر وعتمته، وجزره. تذكرت والذكرى تحرك المشاعر بكل تفاصيلها وتزيد في نبضات القلب، وكيف لا تفعل ذلك مع الآه وفي هذه الحارة العتيقة نشأ ولد عتيقة فكانت النشأة والتكوين والتلوين والتي رسمت ملامحنا فكان لها تأثيرها في سنوات العمر.

بدايات كانت هنا في أقدم الحارات حيث البيوت المفتوحة وكأننا في بيت واحد، ينتقل الصغار كحمامة السلام من بيت إلى آخر دون (إحم ولا دستور)، فيستقبل بابتسامة وترحيب من ست البيت، وتقول له وهي تصنع الكعك والزلابيا والماسية والتطلي (أنت صائم وإلا فاطر وإلا صائم عن الذي ما تشوفه) تقولها بضحكة وحضن وبوسة وكأنك أحد أبنائها، وبعد ذلك تأخذ مما صنعت وتأمرك بتوزيعها للجيران. والجيران كذلك يردون عليهم بالمثل فتتوزع أكلات الحارة على موائد الجيران ببركاتها ومذاقاتها المتنوعة (فلقمة هنية تكفي مئة).

هكذا قالوا زمان وفعلا أكل زمان ما زال له طعم خاص نتذكر حلاوته كلما استعدنا ذكريات زمان الموجودة في سني العمر، فما يكاد يخلو إنسان من الذكريات الرمضانية.

ومع استدعاء الذكريات الرمضانية، وأنا أمر في طرقات حارتي القديمة أيام الطفولة أستعيد كيف كانت فرحة الناس باستقبال رمضان، تذكرت المسجد العتيق أقدم المساجد في أملج التاريخية التي بنيت من الطين وكان له منبران، صيفي وشتوي، ودرج يصعد عليه المؤذن ليسمع الأذان في كل إرجاء الحارة، هكذا كانت ذكريات المسجد قبل أن يهدم ويبنى البناء الحديث.

ومن الذكريات الرمضانية التي لا تنسى في أملج المدفع الرمضاني الذي يطلق طلقات إيذانا بالإمساك والسحور أو الإفطار. وكذلك وأنا أمر في أقدم حارات أملج تذكرت سوق الرقعة والسمك وسوق الليل وفرقنا، وتذكرت البليلة والشربيت والكعك والمبسوس والسمسم والمطبق والشعيرية والكنافة والصيادية والحوت الناشف والبصر وأم أصبع، وتذكرت كذلك الألعاب «الطيري والمرديحة والعاق العاق والقب والضاع واللب ولعبة الحبلة والزقطة والمربعات والحبل والسيجة والجنط وطار وإلا بعشه»، وكذلك الألغاز وحكايات الراوي قبل أن يأتي المسحراتي بصوته الجهوري الجميل ليتوقف الجميع إيذانا ببداية يوم جديد.

تذكرت وتذكرت وما أجملها من ذكريات لا تحصى ولكن ما استدعى منها العقل إلا ما حفظ من أيام جميلة في حارة الطيبة وبيوت الطين، والتي لم يبق منها إلا أطلال ظلت شاهدة على عصر يحكي ذكريات الطيبين ومنازلهم حيث كانت عامرة بالحب والقلوب الطيبة، بنية الفطرة السليمة الصافية بجمال الحوراء الجميلة.