تمر علينا الكثير من القصص عن أزمنة غابرة، تحتوي على شخصيات أقدمت على صناعة أو تغيير مسار التاريخ. ونظرا لأننا عايشينا تلك الشخصيات عبر الثقافة المسموعة أو المقروءة، فإن أذهاننا شكلت صورا لتلك الأساطير سكنت في مخيلتنا وأصبح البعض منا متعلقا بتلك الشخصيات، ومولعا بها لأقصى حد، رغم أننا لم نعايشها. وكأن عقليتنا برمجت على تحفيزنا لصناعة شخصيات أسطورية من واقعنا، فنحن نريد أن نعايش زمن الأساطير ونكون شهودا على العصر لا ناقلين لما سمعناه. ولأن هذه الرغبة تتملكنا فتعاطينا مع الأحداث والشخصيات من منظور وزاوية مختلفة، أساسها الحاجة في صناعة أسطورة.

وبسبب تعاملنا مع هذه الذهنية فإن الأسلوب المتبع، يتمثل في التضخيم وممارسة الإقصائية تجاه من ينتقد أي شخصية، وضعت في البرواز الأسطوري بأعيننا، مما جعل القبول بتلك الشخصيات من الثوابت.

ومما يوسع دائرة الإشكالية أن انعكاساتها ليست على المنتقد فقط، وإنما تشمل الناقد. لأن صناعة الأساطير الوهمية ستجفف ينابيع النقد الموضوعي، وسيتحول جانب النقد للمنطقة غير الموضوعية، بأن يتخوف الناقد من طرح رأي يخالف الأغلبية، مما يجعله يتماشى مع رأيهم خشية الاصطدام بالآراء المتطرفة في تمجيد أولئك الأساطير.

هذه الظاهرة ألقت بظلالها بشكل سلبي على كثير من المجالات، فالمبالغة بتمجيدهم أصاب الكثير من تلك الشخصيات بالتضخم فهم لا يلقون بالا لأي انتقاد أو رأي مخالف. ولنا فيما يقدم عبر المحتوى الإعلامي الدرامي والفني في قنواتنا خير مثال، «فالغالبية» وحتى أكون دقيقا، وصفتها بذلك رغم أني أدرك بـأن بعض القراء الكرام قد يعتبر «الكل» لم يرقَ للمستوى المأمول، رغم ما صرف على تلك الأعمال من ضخ مالي كبير، وتكلفة إنتاجية كفيلة بإنتاج قنوات رقمية جديدة، بأسلوب وواقع معاصر.

إن من ننتقدهم اليوم هم من كنا نرفض المساس بهم بالسابق ووصفناهم بالأساطير. وبالتالي فالمعادلة أصبحت سهلة، أقل جهد سيقابله متابعة كبيرة ورقم مشاهدة عالية «وهذا الرهان من قبلهم» إذن لماذا التعب على المحتوى.

إن فكرة صناعة الأساطير الوهمية تشمل مجالات عديدة من فن ورياضة. الإشكالية ليست في هل هذه الشخصية تستحق لقب أسطورة أم لا، وهل نقدها مقبول أو محظور، بل إن الأمر يتعدى ذلك ما هي الدوافع التي تجعلنا مغرمين ومرغمين بصناعة أساطير، لماذا لا نتعامل مع الشخصيات كما هي ولا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل، حتى يسهل علينا الإشادة بها أو انتقادها. ومن ثم لابد من التأكيد بأن ليس من الضروري، أن تحوي كل الأزمنة أساطير، فهناك حقبات مرت في سجلات التاريخ دون أن تشهد شخصيات أسطورية.

ومن الآثار أيضا للوهم الأسطوري أن الساحة قد ترفض العناصر الجديدة، أو أي فكرة مستجدة، لأنها ستواجه سيلا عارما من النقد الرافض الخروج عن منهجيات تلك الأساطير ومحتواهم، أو أنها ستوقعهم في فخ المقارنة، وكأن الساحة أصبحت حكرا لتلك الفئة دون سواها.

تقول الفيلسوفة اليونانية هيباتيا: الخرافات يجب أن تُدَرَّس كخرافات، الأساطير كأساطير، تقديم الأساطير على أنها حقائق هو شيء مؤلم!