مهما تكلمنا عن الملك عبدالعزيز – رحمه الله- صعب جدا نوفيه حقه، ليس من منطق عاطفي بما أنه هو الملك المؤسس، ولكن سأتكلم عن جانب صعب جدا بل قلما تجده في الرجال وحتى القادة! بل يصعب أكثر حتى على أبناء الجزيرة أو الصحراء.

يقول أحد مشايخ القبائل رحمه الله، كنا في مجلس الملك عبدالعزيز ودار حديث والشاهد، أنه ربما كان كل من في المجلس لهم حرب أو نزاع مع الملك عبدالعزيز أثناء توحيد المملكة، وها هم في مجلسه ضيوف معززين مكرمين رغم هذا التاريخ. صفة نادرة في الملك عبدالعزيز أو كما يطلق عليه (ابن سعود) أنه كان لا يحقد ولا يطلب الثار! بل على العكس يعرف يكسب حتى من كانوا في يوم أشد أعدائه! بل عين حتى من كانوا يوما يقاتلونه في أعلى المناصب، لأنه يعرف معدنهم وهو الخبير بمعادن الرجال ومهاراتهم وكيف يكسبهم!

كان ابن سعود واضعا نصب عينيه على هدف واحد وهو بناء الدولة، يتسامى عن الثأر أو العداوات الشخصية، بل حتى عن تاريخ العداوات السابقة.

فواحد من أكبر الذين حاربوه لما طلب زيارة المملكة، أعطاه الأذن أن يرجع ولما رجع أكرمه (وعفى الله عما سلف) وبعدها عينه مبعوثا له في الخارج لما يملك من مهارات وخبرات وعلاقات، وبعض أحفاد هذا الشخص كانوا مستشارين لملوك المملكة!

الملك عبدالعزيز قاوم عوامل قوية وكثيرة تدعوه للثأر أو على الأقل الإبعاد والبرود! ولم تحرفه تلك العوامل رغم شدتها، عن هدفه الأسمى بناء دولة كبرى.

ويا لها من عوامل كبيرة في ذلك الزمن، ابتداء من أن أبناء الصحراء منذ الصغر يتربون على الأخذ بالثأر، وأنه شيء محمود وتروى القصص بأمجاد الثأر.

وهناك أيضا المجتمع المحيط والعوائل، كلها تحذر بعضها وأفرادها ممن له تاريخ عداوة قديم معهم، فيحذر منه وأنه يجب أن يبعد لعدم الثقة فيه. والتاريخ العربي ملي بالأمثلة، فرغم الصلح يبقى البرود في العلاقات، ومع ذلك قاوم الملك عبدالعزيز وبشدة هذه الدعوات والتي ربما حدثت من أناس حوله من باب المحبة للتحذير من هولاء الذين كانوا أعداء قدماء، خصوصا أن الموضوع كان ليس مجرد خلافات بل كان قتالا وحروبا، وهنا ظهرت حكمة وبعد نظر أبو تركي، عندما ترى التاريخ الدموي لحكام الدول العربية والأحداث وما يفعلونه من انتقام تعرف عظمة (أبو تركي) وندرته.

عامل ثالث هو العامل النفسي، الأخذ بالثأر له إغراء شديد في النفس البشرية، حتى الانتقام للنفس من كلمة، فما بالكم بحروب.

قدرة الملك عبدالعزيز على السماح والغفران وعدم الثأر والانتقام، ما زالت تدهشنا إلى اليوم !.

لقد كان ملكا يملك الأدوات والصلاحية، ويستطيع أن يبيد من عادوه عن بكرة أبيهم، ولن يواجه أي مقاومة، لأن الثأر كان جزءا من طبيعة المجتمع آنذاك، أو على الأقل ينفي من عادوه كما يحدث في تاريخ الدول عبر العصور، لكن هدفه الأكبر يعلو عما سواه، وهو بناء الدولة ومشاركة الجميع فيها، كان هذا الهدف يطغى عن كل ثارات أو أحقاد قديمة، لذلك كسب إخلاص واحترام وحب وولاء من كانوا أشد أعدائه.

على المستوى البسيط وليس مقارنة بملك، لو أحدهم تسمع منه كلمة وليس حتى شجارا وحتى لو تصالحتم وقابلتهم بمجلس آخر، فإن النفس تجفل وربما ما زالت تحز في نفسك الكلمة!.

مناسبة الحديث عن عظمة الملك عبدالعزيز لأنني أرى بعض الدعوات في شبكات التواصل الاجتماعي لمعاقبة البعض على تاريخهم أو مواقفهم خلال سنوات سابقة، والأغرب أن تسمع هذه الدعوات من فئات مختلفة، وسأذكر بعضها. أما أحدهم متشدد كان أقصى اليمين وصحونجي ويحاول يكفر عن تشدده، وهو الذي لا يعرف إلا الآراء الأكثر تشددا، فأصبح الآن يحاول أن يثبت ولاءه بالمطالبة بمعاقبة أقرانه السابقين، أو فئة من المتسلقين الذين مع الموجة، كان صحونج وبعدها شبه إخونج والآن يدعون للانفتاح، وكل موجة يركبونها للمصالح،

أو البعض مع الخيل يا شقرا، ولا يعرف خوافي الأمور فوجدها فرصة مع الموجة، أو فئة كانت مخدوعة وتعتقد أنها تفعل الصحيح وهم كانوا مجرد أدوات، أو البعض هو فعلا يبحث عن خدمة وطنه ولا يدرك أهداف البقية، وهناك أيضا من يبحث عن العدالة ويعتقد أن هذا هو الطريق الأمثل.

سأتكلم بصراحة، نحن الذين عانينا منذ عقود من جيل الصحوة، ومن أيام المدرسة ولم نستسلم للموجة، ولم نتستر بلباس الصحوة رغم المضايقات، وحاربنا استغلال الإسلام السياسي علانية، في وقت كان الجهر بمعاداة الصحوة يعتبر خطرا ويسبب مشاكل. وأيضا حاربنا الفكر الإخواني علنا وبشراسة، وتم وضعنا في القائمة السوداء أيام سيطرة الإخوان على بعض الدول العربية والخريف العربي، واستمررنا بفضح الإخوان، وكان بعض من يدعون الوطنية الآن، يقولون لنا في ذلك الوقت بداية الخريف العربي، حاولوا تسايرون الإخوان، الآن هم المسيطرين وخلوكم مرنين ورفضنا هذه الدعوات. والآن لما ظهرت وبانت الأمور تغيرت الجلود، بل البعض منهم، هو نفسه من الجماعة الذين قفزت لمركب السلفية، ومن ثم الإخوان والآن يدعون الوطنية، يتملقون ويرفعون شعارات الوطنية. التاريخ محفوظ وكل شيء مسجل ومعروف، لكن رغم ذلك لم نركب موجة توزيع صكوك الوطنية على الآخرين كما يفعل بعض المتطفلين في وسائل التواصل، ولم نصنف الناس، ولم نحاول أن ننتقم من الصحوة والإخوان، رغم ما عانيناه سابقا، لأننا كنا نجهر عندما لزم الكثيرون الصمت !.

بل نعتقد أن المواطنين سواسية، ولأننا الآن نبني وطنا ودولة حديثة، نريد أن يشارك الجميع حتى من اختلف معنا وحاول إيذاءنا، ولا أعتقد أن أحدا لديه الحق في تصنيف الوطنية، لأن الوطن أكبر من الجميع ويتسع للجميع فهو الأم الكبرى.

الملك عبدالعزيز سامح من حاربوه وقاتلوه، ونحن على الأقل نسامح من اختلف معنا بالرأي أو سبب بعض الأذية!.

لست خياليا أو جاهلا، وأعلم أن البعض الآن ما زال يحتفظ بأفكار الصحوة والإخوان من باب المرونة والتقية، ويحاول أن يركب الموجة وأن يرتدي الثوب الجديد لعل وعسى، لكن أريد أن أؤكد أن الرؤية هي حياة وطن وهي شيء أساسي في بناء السعودية الجديدة، وهي هنا لتدوم وتتطور، فيجب على الجميع إدراك ذلك، لكن من باب السير على منهج الملك عبدالعزيز. وأيضا لأننا نرغب في أن تكون السعودية الجديدة جامعة للكل وكل أفراد الوطن مشاركون فندعو للتسامح، لكن لن نغفل عمن يغير جلده مثل الحرباء إذا عاد عدنا، وإذا صلح فهذا ما نتمناه لأبناء البلد، ولن نتغاضى عمن يحاول أن يعيد أيام الفرقة والتصنيفات حتى لو ارتدى ردءا جديدا! والتاريخ شاهد.