لو سئلت عن أهم ما يمكن أن تحققه الزيارة التاريخية التي يقوم بها اليوم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة العربية السعودية، ويلتقي فيها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ لقلت دون أدنى تردد: التفاؤل، نعم التفاؤل المفقود بالمستقبل في جميع منطقة الخليج والإقليم المحيط بها، فما زالت المنطقة تعيش تداعيات الخوف وعدم الثقة منذ عقود، الأمر الذي أثر في سيرورة الحياة الخليجية وتقدمها، وأظهر جيلا منبتا عن أحلام آبائه الذين بنوا بدمائهم هذه المنطقة وعمروها في أوقات صعبة وظروف قاسية.. وتراجعت الأحلام الكبار وسط الأحداث التي جرت إلى مجرد علاقات خالية من الصراعات الظاهرة والخفية.

منذ سنوات ومنطقة الخليج العربي وما جاورها مشحونة بالشكوك.. والظلال والتساؤلات ومترقبة لصراعات قد تنشأ في أي لحظة محركة الرمال العربية وكأن المنطقة منذورة بحكم التاريخ لذلك.. وأمام كل هذا يرى أبناء الخليج ومن خلفهم العرب جميعا أن الأوان قد آن لتعود الطمأنينة لهذه المنطقة المركزية في العالم العربي والشرق الأوسط، وتعود لتصدّر علاقاتها وتبنى روابطها على العقل المنظم وليس على الانفعالات، فالأخيرة لا تستطيع أن تحملنا إلى البعيد والتجارب التي مرت بها المنطقة الخليجية خلال العقود الماضية خير برهان على ذلك.

ومنذ أن تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبر زيارة جلالة السلطان المعظم للمملكة وجميع ردود الفعل شعبية كانت أم نخبوية تفيض بالتفاؤل بها وبالنتائج المنتظرة منها، وكأنها الأولى بين زعيمين خليجيين منذ عقود! بل إن البعض ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين حمل الزيارة مسؤولية العودة بالخليج إلى أيام الزمن الجميل، وهذا الأمل وراءه ثقة كبيرة بالدولتين، وكذلك بالزعيمين باعتبارهما قادرين، بحكم التاريخ وضرورات المستقبل، على تقديم نموذج مختلف من العلاقات الثنائية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمكن البناء عليه لعودة منطقتنا إلى أيامها الأجمل وبمستقبل مشرق تحلم به الشعوب الخليجية والعربية يتجاوز خلافات الماضي نحو قراءة موجبات المستقبل.

وإذا كانت الآمال من الزيارة بهذا الحجم، والتفاؤل بها تجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى حلم يشمل المنطقة كلها، فذلك مبعثه الثقة الكبيرة التي تتمتع بها سلطنة عمان وسلاطينها العظام لدى الشعوب العربية بشكل خاص، والتفاؤل الكبير بالعهد المتجدد الذي يتسنم زمامه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- الذي يقود حركة إصلاحية في السلطنة واضحة المعالم، وأكد في خطاباته على العمق الخليجي والعربي وعلى تعزيز العلاقات معهما.

وتلك الثقة رصيد تراكمي صنعته السياسة العمانية على مدى العقود الماضية ويرى البعض، وأنا منهم، أن الأوان قد آن لأن تدير به بلادنا الواقع وتضبط به المستقبل.

وتستطيع السلطنة بحكم تاريخها العريق وتجربتها السياسية؛ بوصفها أقدم كيان سياسي ممتد في الإقليم وأحد المساهمين الفاعلين في صناعة الحضارة الإنسانية في المنطقة، وكذلك المملكة العربية بحكم مركزيتها الإقليمية ومكانتها الجغرافية والدينية والاقتصادية أن تكونان اليوم صمام الأمان للمنطقة المحاطة بالتحديات والأطماع، ومبعث التفاؤل بمستقبل مختلف.

لكن حديثنا عن التفاؤل، رغم أهميته وإنسانيته، لا ينسينا الملفات الكبيرة الماثلة أمام القمة العمانية السعودية اليوم ومباحثاتها السياسية؛ لأنها تأتي في وقت شديد الحساسية تشهد فيه المنطقة ومحيطها تغيرات جوهرية على كل المستويات، سواء من حيث بناء تحالفات وتكتلات جديدة أو خروج قوى كبرى كانت موجودة في المنطقة منذ عقود طويلة، ولو نظرنا للخريطة من الشرق إلى الغرب لوجدنا متغيرات شديدة التأثير علينا إيجابا أو سلبا، ونحتاج فيها إلى مواقف جماعية وتكتلات جديدة حتى لو بدأت تلك المواقف والتكتلات بين طرفين كبيرين مثل السلطنة والمملكة العربية السعودية ثم تمتد لتشمل الجميع بحكم التأثير والجوار وبحكم تشابه التحديات.

فالولايات المتحدة تغادر أفغانستان الدولة التي انشغل الخليج بها منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن تغادرها في وضع أسوأ بكثير من الوضع الذي وجدتها عليه نهاية عام 2001، والهند مقبلة على تغيرات كبيرة ولن تكون هي التي نعرفها قبل جائحة فيروس كورونا، وإيران في طريقها للعودة ثانية إلى المجتمع الدولي إذا ما نجحت مفاوضات فيينا، وهي أقرب للنجاح، وفي عودتها تغيير لموازين القوى تحتاج المنطقة أن تكون في عمقه، والمملكة العربية السعودية بدأت فعليا مباحثات سياسية مباشرة مع إيران على أمل الخروج بتفاهمات جديدة تكون قادرة على مواكبة تطلعات المستقبل، وشمالا هناك حوض الأناضول وسورية وما بهما من أحداث مؤثرة على الخليج، وبالقرب منها دولة الاحتلال الإسرائيلي التي استطاعت أن تجد لها موطئ قدم في الخليج العربي بعد أن طبّعت كل من دولة الإمارات ومملكة البحرين علاقتهما معها، وافتتحت أول سفارة لها في الخليج في مدينة أبوظبي، وهذا أمر يحتاج إلى مباحثات خليجية أكثر عمقا وأكثر فهما لحقيقة الأمور الجديدة ومآلاتها.

وجنوبا هناك أثيوبيا وصراع الحياة والموت بينها وبين مصر والسودان بسبب سد النهضة، وهناك اليمن الذي لم يعد سعيدا رغم أن الدبلوماسية الدولية ذاهبة اليوم نحو الدفع بوقف الحرب وعودة جميع أطراف الصراع إلى حوار وطني يتجاوز المصالح الضيقة إلى مصلحة اليمن واليمنيين على أن ذلك ليس إلا مشهدا أولا في حل المشكلة اليمنية يحتاج أن يتبعه مشهد ثان وثالث يتمثل في إعمار اليمن ومحاولة بناء نسيجه الاجتماعي مرة ثانية.

وهناك ملفات الاقتصاد التي تهم السلطنة كثيرا في ظل سعي رؤية «عُمان 2040» للخروج من نمط الاعتماد على النفط باعتباره مصدرا وحيدا للدخل إلى الاعتماد على التنوع الاقتصادي عبر فتح منافذ الاستثمار في مختلف المجالات وجذب رؤوس أموال أجنبية تجد في السلطنة ملاذا آمنا وموقعا جيوسياسيا فريدا ومنظومة قوانين حديثة جاذبة والأمر نفسه للمملكة التي تبحث عن الأمر نفسه في رؤية 2030 وربما تجد في سواحل السلطنة مساحة آمنة ومطلة على البحار المفتوحة بعيدا عن مناطق الصراع التقليدية.

وهناك جائحة كورونا التي ما زالت تعصف بالعالم أجمع: بأمنه الصحي وباقتصاده وتغير العالم من جذوره وتسهم في فرض نظام عالمي جديد مبني على قواعد حياة جديدة علينا أن نكون واعين بها جيدا حتى نستطيع أن يكون لنا حضور فيها.

هذا هو المشهد المحيط بالمنطقة في اللحظة التي يصل فيها جلالة السلطان المعظم إلى المملكة العربية السعودية، وكل هذه الملفات مؤثرة وإنْ بدرجات مختلفة على الخليج وعلى مستقبله القريب ولا مجال لإغفالها أو التغاضي عن تأثيراتها.

وإذا لم يعد هناك مجال، وفي الحقيقة لم يكن في التاريخ يوما مجالا، لبناء واقع جديد دون رغبة سياسية تسيجه فإن المباحثات السياسية التي تعقدها القيادة العمانية والسعودية في مدينة «نيوم» اليوم هي التعبير الحيوي عن تلك الإرادة السياسية، وهذه ضرورات لا يمكن إغفالها لأنها قد تؤدي إلى عواقب يمكن أن نتجاوزها اليوم إذا سمحنا لطبائع الأشياء أن تعبر عن نفسها وأولوياتها بأساليب عصرها وبالخبرة التي راكمتها عبر التجارب السابقة.

لكل هذه الأسباب وغيرها الكثير تبرز أهمية الزيارة التي يقوم بها جلالة السلطان للمملكة السعودية ولهذه الأسباب يشعر أبناء الخليج بالكثير من التفاؤل بها ويعقدون عليها الكثير من الآمال وتحدوهم الكثير من الطموحات لثقتهم الكبيرة في قيادتي البلدين، وقدرتهما على التأثير على بقية دول الخليج والمحيط العربي والمحيط المجاور نحو صناعة واقع مختلف، وتلك القدرة مستمدة بالضرورة من التاريخ ومن القدرة على فهم المستقبل الجديد.

ولذلك آمالنا وآمال الملايين من الخليجيين والعرب معقودة في حكمة السلطان هيثم وأخيه الملك سلمان، وهما يتباحثان اليوم لبناء مستقبل على أرض شديدة الصلابة بعيدا عن الرمال المتحركة.