أستهل مقالي بتساؤل بسيط ويبدو سطحيا للكثيرين وإجابته الظاهرية بديهية! عزيزي القارئ: هل لديك القدرة على التعبير عن آرائك بصدق حتى وإن كانت تخالف توقعات من حولك؟ كأن تقول مثلا أنا لا أحب صوت الفنانة فيروز أو أن باريس مدينة كئيبة أو متعة الشاي والقهوة بالنسبة لي بدون سكر، أو أن الدوري الإنجليزي لا يعجبني، وغيرها الكثير من التساؤلات التي أستطيع ولا أستطيع ذكرها هنا.

للوهلة الأولى تبدو تلك آراء عادية لأي شخص يعبر عن ذاته حيال ما يدور حوله، إلا أن البعض يعتبر مثل تلك الآراء ما هي إلا كسر لأنماط الاعتياد، وآراء منحها عقله الباطن قدسية لا أساس لها من الصحة بسبب تراكمات مجتمعية ونفسية عاشها. فمن الطبيعي أن تسمع ردودا عند تعبيرك عما سبق من تساؤلات مثل «من زين صوتك عاد أنت.. ما تفهم فن» «في أحد ما تعجبه باريس؟» «وش تحس فيه تشرب شاهي مُر» «ما عندك ذوق في الكورة»، ردود تتفنن في مصادرة آرائك وتقزيمها وممارسة التنمر عليك لمجرد ذكرت رأيك عما هو خارج السائد.

من المؤكد أن العديد من الأشخاص لديهم الانطباعات ذاتها أو الآراء في مواضيع أخرى تختلف عن الرأي المتعارف عليه، ولكنهم يخجلون من البوح بها خشية سياط نقد المجتمع، ووقوعهم تحت دائرة التندر، وهو ما يجعلهم ينساقون خلف «ثقافة القطيع» فالانصياع لأذواق الناس وآرائهم حتى يتم «وأد» جميع الانطباعات وتطغى ظاهرة «آراء بالتوارث».


فحينما تذوب مساحة المعيارية، فإن ذلك سيخلف العديد من الانطباعات الإقصائية على الأصعدة كافة، ستجبر أن تكون عوداً من حزمة آرائهم وإلا سهام النقد ستطالك ولن ترحمك. وقد يذهب البعض لممارسة جلد الذات حين يختلف عن انطباعاتهم بأن يحمل ذاته مسؤولية الاختلاف وأن رأيه هو السلبي وأن الآراء العامة هي الصحيحة.

ورغم أن شبكات التواصل ينبغي أن يمارس خلالها مساحة أكبر من التعبير إلا أن الواقع مختلف فلا يمكن أن تنتقد ما يهواه الناس حينها ستكون نموذجاً للتنمر الإلكتروني. وللأسف أن تلك الممارسات الإقصائية قد يمارسها بعض المثقفين أو النخب. فهي إشكالية سيكولوجية ترضخ لوطأة الانطباع والسلوك، لذا فإن الانسياق خلف ثقافة الجموع والخوف من الاختلاف كفيل بقتل عوامل الإبداع كافة لدى الشخص، ومن ثم فإنها تعزز أيضا أحادية الفكر والاتجاه وتمنع الأشخاص من ممارسة حقهم الفطري في التنوع والاختلاف. والشخص طالما كان يمارس حقه في التعبير في حدود اللباقة والأدب، فإن ذلك ينبغي أن يكون كفيلا بعدم ممارسة الإقصائية تجاهك.

ما يحدث من تناقضات في الآراء يفسر بوضوح ظاهرة وجود حسابات متعددة للشخص نفسه في شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك خشية التصادم مع الآراء السائدة، فهي تعطيه المناخ الملائم للتعبير عن آرائه وانطباعاته دون أن يكشف شخصيته الحقيقية، وهذه الممارسة للأسف تعزز العزلة والغربة الفكرية والازدواجية في الحياة، ثم صعود أولى درجات سلم الاكتئاب.

يقول الشاعر والروائي الروسي بوريس پاسترناك: كل شكل من أشكال تحشّد القطيع هو ملجأ للمحرومين من الموهبة.