في قلب الرياض وبين أزقتها وشوارعها القديمة تشتم رائحة الماضي، هناك حيث اتخذت ثلوثية المصمك مقرًا لمنتداها العفوي الحقيقي الذي يحتضن كافة أطياف المجتمع، حيث يسرد التاريخ على هيئة تجمعات يرتادها نخب من أعيان المنطقة. فحديث عن التاريخ يتلوه نقاش في الأدب والثقافة ثم ذكريات ومواقف، والمحصلة النهائية إرث معرفي وتوثيق للأحداث في قلب التاريخ وبين جدرانه.

تلك هي أجواء «ثلوثية المصمك» التي رأت النور على يد كوكبة من الأشخاص الذين حرصوا على ربط التاريخ بالحاضر، ولأنهم أقدموا على تلك المبادرة التي نحتاجها كثيرًا في مجتمعنا فأصبح لزامًا أن نذكرهم بلمسة وفاء وهم (محمد الحوطي – عبدالرحمن الحوطي – فهد الدايل – فهد بن هديان – فهد بن خليف) فقد نجحوا وباقتدار ومن خلال تلك الثلوثية في إعادة صياغة فكرة المنتديات والصوالين الثقافية والأدبية.

حديثهم ليس مقتصرًا على جانب أو مجال واحد، بل يشمل ويمتد لأطياف عدة تتسع شمولا بحضور ضيوفهم. إذ يحرصون في كل فترة على استقطاب شخصية متخصصة في مجال للحديث عن مجاله ومشاطرة الحضور الأفكار والرؤى والاقتراحات خصوصًا أن الجلسة تضم بيوت خبرة عدة فيستنير المتواجد بتلك الأحاديث.


إن تقديم تلك الثلوثية كنموذج الهدف منه تحفيز بقية أعيان المناطق للإقدام على تلك الخطوة، وربط جسور التواصل والثقافة مع الجيل الحالي ونقل عصارة خبراتهم الحياتية والعملية، خصوصًا أن الشباب باتوا أكثر انفتاحًا للتعرف على الماضي ويحتاجون مثل تلك الحاضنات الجاذبة لهم، كما أنها تعد من الواجهات السياحية المهمة لأي مدينة. فالسائح دائمًا ما يحبذ الغوص في تفاصيل أي مدينة والتعرف على إرثها التاريخي وما خلف هذه الأرض والمنطقة من قصص، والأجمل أنه وفر له فرصة الالتقاء والاجتماع بأهالي المنطقة وتبادل الأحاديث معهم. لذا فإن المحافظة على مثل تلك المبادرات ودعمها من قبل الجهات المعنية يضمن استدامتها وتطويرها. كما أن تلك المنتديات والتجمعات تعد حافزًا لوسائل الإعلام لخلق مواد تاريخية نوعية. إذ أن الأماكن متوفرة وشهود العيان موجودون، وفي جعبتهم كثير من القصص والحكايا التي تستحق أن تروى وتصنع منها مادة إعلامية ثقيلة. بل سأذهب لما هو أبعد من وسائل الإعلام فإن الدراما كذلك هي الأخرى قد تجد في تلك الملتقيات ما يشبع جوعها وفقرها القصصي الدرامي ويغذيها من جلباب التاريخ وحكاياه.

ازدهار تلك الملتقيات التاريخية لا بد وأن تقابله أيضًا حالة من التبادل المعرفي والثقافي، أصحاب تلك الملتقيات على مستوى قرى ومحافظات ومدن ومناطق المملكة المختلفة، بحيث يكون هناك تبادل ثقافي ومعرفي يسهم بشكل كبير جدًا في إثراء الجانب التاريخي، بل وقد يعمد إلى تصحيح معلومات تاريخية موجودة أو إضفاء الكمال على معلومات ناقصة فنحن بحاجة لأكثر من نسخة من ثلوثية المصمك.

الاهتمام بالتاريخ والإرث المصاحب له يأتي ضمن الاهتمامات الحكومية، ولعل التوجيه الذي أمر به ولي العهد أخيرًا بإعادة إطلاق مشروع جدة التاريخية وما سبقها من خطوات مهمة بإحياء الجانب التراثي والثقافي لهو دليل على أن الموروث الشعبي بكل مكوناته يأتي ضمن إطار مشروع حكومي واسع وضخم.

يقول السياسي الأمريكي هنري كيسنجر «التاريخ منجم زاخر بالحكمة التي قد تجد فيها المفاتيح الذهبية لمشاكل حاضرنا».