«بقدر تدينك بقدر انشغالك بالآخرة» هل العبارة صحيحة؟ العبارة بصورتها المثالية عن الدين صحيحة، لكنها في صورتها للناظرين أبعد ما تكون عن الصواب، فبقدر تديّنك بقدر اجتماع الناس عليك إن كنت ترغب في الزعامة الاجتماعية على (حارتك وجيرانك، قبيلتك وعشيرتك، وحتى إدارتك الحكومية التي تعمل فيها، وصولاً إلى النجومية الدينية أو الزعامة السياسية في وسائل الإعلام، لتصبح غنوشي تونس أو خميني إيران... الخ)، وبقدر تدينك بقدر رواج تجارتك لأن التعامل التجاري معك فيه من الدين ــــ في نظر العوام والدهماء ــــ ما ليس في غيرك، ولهذا حاول البعض من كبار رجال الأعمال استثمار هذه الفكرة في ترويج نفسه من خلال مشاريع لا علاقة لها بالتنمية ومفاهيمها الحديثة بل ربط اسمه بالدين من خلال (بناء المساجد، ومغاسل الموتى)، فالاستثمار يقتضي نفقات خاصة بالدعاية والإعلان، وهل هناك دعاية وإعلان أقل تكلفة وأكثر ثباتاً في نفوس العملاء من الارتباط بالدين.

(بقدر تدينك بقدر انشغالك بالآخرة) هل هذه العبارة صحيحة؟ ليست على الإطلاق فالمتدين الوسطي لن ينسى نصيبه من الدنيا، ولهذا جاء قوله تعالى «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» لكن هل المتدين الوسطي يعرض نصيبه من الدين ليشتري به نصيبه من الدنيا؟!! ولهذا تغافل كثير من الناس عن فتنة أبو حنيفة في رفضه منصب القضاء، وانشغلوا بفتنة ابن حنبل، رغم أن منصب القضاء أشد فتنة على النفس لاجتماع «رضا الوالي، ورضا الأتباع والمريدين»، بينما الثانية في إحراز رضا إحداها ضياع لرضا الأخرى.

«بقدر تدينك بقدر انشغالك بالآخرة» هل هذه العبارة صحيحة؟ إن كان للتدين معنى ظاهر ومعنى باطن، فلن يجد أحد طيلة التاريخ الإسلامي أكثر تقوى وديناً بالمعنى الظاهر من الخوارج في صلاتهم وصيامهم وقيامهم وعبادتهم وحفظهم للقرآن، وإن كان للتدين معنى باطن، فلن يجد أحد طيلة التاريخ الإسلامي أكثر تقوى وديناً ممن جمع بين المبنى والمعنى في علم الشريعة وعلم الطريقة، ولهذا ترى فيمن جمع بين الطريقتين من الإحسان في القول والعمل والرحمة بالعالمين ما لا تجده فيمن أمسك بطريق الشريعة فقط فكان يراوح في فقهه وفهمه الديني بين القاعدة وداعش التي ولغت في الأعراض هتكاً والدماء ذبحاً دون حرج باسم الجهاد، ويحرجها جداً سماع صوت العود والكمنجة باسم التقوى، فكأنما نابتة القاعدة وداعش خرجت من رحم الخوارج بعد أن نكحها من تمسكن حتى استمكن، ممن استباح المدينة وأهلها لثلاثة أيام وقصف الكعبة بالمنجنيق ثم صلب ابن الزبير عند الحرم ثم قام على المنبر خطيباً في الناس وإماماً، فكأنما البغدادي على منبر مسجد في العراق ـــ ولو ادعى الهاشمية ـــ ليس إلا سلالة الحجاج على نفس المنبر بعد الف وأربعمائة عام، فالعبرة ليست بالرحم الذي أخرج قابيل وهابيل، ولا برفع المصاحف على أسنة الرماح طلباً لتحكيم كتاب الله، بل بقوله تعالى «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً».

ولهذا فمن أراد الإجابة الحقيقية على السؤال فعليه الرجوع للقرآن وليستعرض كل الآيات التي تحدثت عن أخطاء رجال الدين اليهودي والمسيحي في حق دينهم، وليضع بحثاً عما اكتشفه من تشابه بينهم وبين بعض من عرف من رجال الأحزاب الدينية، ليرى عش الدبابير الذي دخله وكيف أن آيات القرآن تقف معه ضد الأحبار والرهبان في كل زمن وضد أتباعهم ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وسيتحول إلى عدو مبين لكثير من لاعني أحبار اليهود ورهبان النصارى ولكنهم ساروا على خطاهم حذو القذة بالقذة، في رهبانية ابتدعوها وتزكية للنفس استمرؤوها ومكاسب دنيا بدين اعتادوها، فترى القس يدعو للزهد والصولجان بيده من ذهب، ومثله من يدعو للزهد بين المسلمين وحياة الثراء الفاحش تظهر على عباءته المقصبة التي تجاوزت قيمتها بضعة آلاف، ولبسها عنده ليس من الكبر ما دام طولها لم يتجاوز الكعبين!!؟ وينقمون على من يلبس ثوباً قديماً لأنه (تحت الكعبين!!)، فالأحكام عندهم تدور على أوصافها (النصية) لا على عللها (الأخلاقية) لتصبح التقوى والديانة في مذهبهم مجرد مقاسات في طول اللحى والملابس.