يقول الكاتب توفيق السيف في مقالته «تفكيك التداخلات» المنشورة في صحيفة «الشرق الأوسط»: «بعضنا يلح على أن الدين شرط لنهضة العرب. وبعضنا يقول بعكس ذلك، إن ترك الدين شرط للالتحاق بركب الحضارة. ثمة فريق ثالث - وأنا منهم - ينفي وجود علاقة سببية بين الدين والتقدم. بمعنى أن الدين يمكن أن يحفز المؤمنين للنهوض العلمي، ويمكن أن يثبطهم. يمكن للدين أن يتعايش مع التخلف، أو مع التقدم من دون فرق تقريبا».

بهذه العبارات التبسيطية لخص الأخ العزيز توفيق السيف العلاقة الجدلية والمعقدة بين الدين والتقدم، مستخدما منطقا صوريا أو شكليا يهتم بانسجام الفكرة مع نفسها، لا بمدى انطباقها على الواقع، علاقة الدين بالمجتمع المتقدم أو علاقته بالمجتمع المتخلف، تبلغ من التعقيد والإشكال قدرا لا يمكن معه حصر العوامل الدينية المؤثرة في المجتمع وبالتالي تحييدها. فلا يمكن تمييز الأثر النفسي والاجتماعي للدين على الشعوب، وكيف يقوم بتشكيل حياة الإنسان في الماضي أو الحاضر، أو حتى التنبؤ بتأثيراته المستقبلية، التي ما زالت موضع حدس، وفق علاقة بسيطة كالعلاقة الشبيهة بعلاقة الأرقام في المعادلة «1+1=2». كيف يتقدم المجتمع وكيف يرتبط تقدمه أو تخلفه بأجزاء العالم المتنوعة، وكيف تتماسك ويعول بعضها على بعض، أقرب للوقائع التي ليس بمقدورنا أن نصفها ونمثل لها.

في أشد المجتمعات المعاصرة علمانية وفي أشدها إيمانا، بمنطق السوق وحرية الاقتصاد هناك تأثير غير مرئي للتدين، بعيد أو قصير المدى في تأثيره على النظام الاجتماعي العام، يتغلغل وسط المجتمعات كعامل مهيمن مهم، يحدد العلاقة مع الآخر ويمنح الذات هويتها، يقول عبدالله إبراهيم متحدثا عن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت «الموجه الديني من أقوى المؤثرات في فلسفة ديكارت، إن لم نقل إن مضمونها خاضع لمرجعية دينية لاهوتية».

كلام عبدالله إبراهيم ينفي بطبيعة الحال، الاعتقاد السائد أن الفلسفة نشاط عقلي، خال من أي تأثيرات ثقافية أو دينية، وتؤكد العلاقة الغامضة بين الدين والفلسفة والعلم، كون فلسفة ديكارت تمثل نقلة نوعية في الفكر الغربي المعاصر. إن المجال الديني يتمتع بنظام غاية في التعقيد لا تخضع التغييرات فيه إلى قوانين الطبيعة وبالتالي يصعب حصره وتمييزه، أو إحداث أي قطيعة معرفية معه. فمن الصعب أن نضع العلم - بصفته شرطا من أهم شرط النهضة - في مقابل الدين، وكأن هناك علاقة تضاد وتنافر بينهما، أو أن نصنع علاقة حياد بينهما، هذا فيما يتعلق بالدين وعلاقته بالعلم، فما بالك بعلاقة العلم مع الخرافة والأسطورة، فلا أحد ينكر أن بعض منجزات العلم تحققت من خلال الإيمان بالأسطورة والخرافة، وفي هذا الشأن يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل «والرغبة في استخدام العلم للأغراض العملية أتتنا أولا من خلال الخرافات والسحر، فالعرب رغبوا في اكتشاف حجر الفلاسفة وإكسير الحياة، وفي معرفة كيفية تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، وأثناء تتبعهم للبحوث وراء هذه الأهداف، اكتشفوا العديد من حقائق الكيمياء، لكنهم لم يتوصلوا إلى أي قوانين طبيعية مهمة ومثبتة».

في القرن السابع عشر، عندما كانت الثورة العلمية في أوجها في القارة الأوروبية، كيف كانت علاقة الدوافع الدينية بمكتشفات عالم الفيزياء إسحق نيوتن، وصياغته لقوانين الحركة والجاذبية؟ كان اكتشاف قوانين الجاذبية والحركة مع اقتصارها على وصف المجال المادي، ولكنه أعطى البرهان على وجود الله بالنسبة لنيوتن وبعض معاصريه، فقد كان التدين حاضرا في مجال علمي يبدو ظاهريا، أنه متحرر من أي معتقدات دينية. ولو عدنا للوراء في زمن تأسيس علم الجبر، وتساءلنا عن دوافع الخوارزمي من تأسيس هذا العلم الهام في علم الرياضيات، التي تعد لغة للعلم، والذي ما زالت آثاره تطغى على عصرنا الحديث، الذي أصبح فيه العلم مؤثرا وموجها لكثير من معتقدات المثقفين، وأصبح مصدرا للتقنية الاقتصادية؟.

كان الخوارزمي فقيها، وكانت توجهاته الرياضية ذات طابع ديني بحت، والحاجة لعلم الجبر دفعت الخوارزمي إلى تأليف كتابه «الجبر والمقابلة» لسد حاجات الناس العملية من معاملات وبيع وشراء وتقسيم غنائم، وقياس لمساحة الأرض والمكاييل والموازين، لا سيما في المواريث، أو ما يعرف بعلم الفرائض، فقد كان حقل المواريث والوصايا أقرب للرياضيات من أي علم آخر، ولولا الحاجة الدينية لعلم الجبر، لانتفت الحاجة والاهتمام بمثل هذا العلم في ذاك العصر، وقد لا يرى النور إلا لاحقا.