هناك ركائز أساسية تنتظم مع كل ذكرى لليوم الوطني لهذه البلاد، وهذه الركائز الأساسية هي فخر وعزة لكل من يتنفس هواء هذه الأرض الطيبة التي تتطلع إليها أفئدة العالم، سواء كانوا مسلمين يتطلعون لكل أثر من آثار هذا الدين الحنيف، أم غير المسلمين يتطلعون لكل ما تحمله هذه الأرض الطيبة من إرث ثقافي ومعرفي توغل في أعماق التاريخ البشري.

وقبل الحديث عن هذه الركائز الأساسية التي تأسس عليها الوطن، علينا أن نفخر ونزهو بما حققه مؤسس الوطن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، وذلك أن الله حباه عبقرية إنسانية في كيفية تشكيل وتكوين الدول من أدوات بسيطة جدًا، وهذه العبقرية في نظري تفرد بها الملك عبدالعزيز، فلا يوجد في تاريخنا المعاصر رجل دولة كون وأسس دولة عظيمة ثبتت أقدامها في مصاف الدول القوية اقتصاديًا وتاريخيًا من أدوات بسيطة لا تكاد تُذكر، بل سخر عبقرياته في كيفية الاستفادة من تلك الأدوات لتكوين دولة كبرى تبلغ في سيرتها العطرة مركزًا متقدمًا بين دول العالم، وهذا سرد للتاريخ المعاصر ومعرفة حقيقية بالتاريخ الشفهي ممن عاصر الملك عبدالعزيز، وهؤلاء المعاصرون من أهلنا وأقاربنا، ومن معاصرين عاصرناهم وأخذنا عنهم مشافهة وقائع وتاريخ الملك عبدالعزيز، فكلهم يجمعون على أن الله حباه بذكاء خارق ورؤية عميقة في وقت عصيب وشديد على أهل زمانه، سواء فرض الزمان تلك الشدة أم فرضتها أقدار تتعلق بالتنقل أو التواصل أو حتى كيفية الحصول على المعرفة، وهي أمر كان من الثقيل والعسير تحصيلها أو الحصول عليها، لذا فعندما يتحدث أولئك الرجال ممن عاصروا الملك عبدالعزيز كانوا يسترسلون في أحاديثهم عنه وقد أخذتهم الدهشة والانغماس في شكل من أشكال الذوق الصوفي من شدة انبهارهم من عقل وحكمة وعدل ذلك الملك الهمام الذي فرض على هذه الأرض الأمن بعد الخوف والاستقرار بعد التنقل والطمأنينة بعد الهلع والقلق، وأسس أصول العدل بين البشر بعدما كانت القبيلة الأقوى تأكل كل ما هو ضعيف، فقد غير المفاهيم لدى تلك القبائل القوية، وجعلها تتحد في بوتقة واحدة اخترعها لهم في مجتمعهم وهي الوطن الذي له حدود، وهذه أس وأصل ركائز هذا الوطن التي يتوجب علينا مراجعتها ومعرفتها ونشرها بين أبنائنا وفي وسط مجتمعاتنا ومن خلال مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية والحكومية العامة والخاصة.

هذا الوطن تم تأسيسه على أصول وأسس علينا السعي لفرضها والعمل على رعايتها، ومن أهمها تغيير كل المفاهيم غير المتوافقة مع المصلحة العليا للوطن، فلا يتم تقديم أي مصلحة كانت سواء تجارية أو علمية أو ثقافية أو تاريخية على المصلحة العليا لهذا الوطن، وسواءً كانت هذه المصلحة تُمثل فردًا أو شخصية اعتبارية، فلا يتم تقديم مصلحة الأفراد أو الأشخاص الاعتبارية التي عادة يقودها شخص يعمل لتأسيس مصالح شخصية ضيقة من خلال استغلال النفوذ وإساءة استعمال السلطة وتجاوز الحدود المرسومة له سواءً في النظام الأساسي للحكم الذي هو بمثابة دستور لهذه البلاد أم كانت تلك الحدود رسمتها الأنظمة واللوائح الصادرة من الجهات ذات الاختصاص، فهذه الركيزة، وهي ركيزة المصلحة العليا للوطن هي الأصل والأساس في حياة وبقاء هذا الوطن، وهي التي يتحطم دونها كل ما سواها من المصالح والأهداف والخطط المرسومة من كل أحد، بل إن أصل بقاء هذا الوطن وما يحتويه من مجتمع وبشر هو في الحقيقة استمرارية وبقاء مصلحته العليا، فما دامت مصلحة الوطن العليا هي المتحكمة في دفة عقول قادة ومنظري ومثقفي ومتخذي القرارات فإن هذا الوطن سيظل باقيًا ولن يتأثر بأي ترهات غربية وغيرها من الشنشنات المغرضة التي تسعي لإظهار هذا الوطن ولو بالكذب أو التدليس أو الغش على أنه بلد وحشي وليس وطنًا آمنًا ومستقرًا.

هذا الوطن يتمتع بأمن واستقرار لا يكاد يوجد في أي بلد في العالم، وهذه حقيقة يقينية وأصل ثابت لا يمكن أن يتزعزع ولا يمكن إنكاره إلا بإنكار وجود الشمس، فاليقينيات لا تحجبها الظنون والآراء الفاسدة والتصورات الباطلة، فالعقل ينبذ ويطرح كل مسار يُنكر تلك اليقينيات الثابتة، وترتبط ركيزة المصلحة العليا وركيزة الأمن والاستقرار بركيزة أُخرى لا تقل أهميةً منهما بل هي مكملة له، وهي هذا المواطن الذي يحمل في قلبه حب هذه البلاد ويسعى ليل نهار لتطورها وتنميتها والسهر على جعلها دولة من الدول العظمى، وهذا الشعور هو شعور يظهر في رأس الدولة المتمثل في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز صاحب العزم والحزم، وكذلك يظهر هذا الشعور جليًا في ابن هذا الوطن البار ومثل الشباب في زمننا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وكذلك نرى هذا الشعور يتملك كل مواطن على هذه الأرض، فهذا الشعور قد كوّن وأسس لهذه الركيزة الأساسية المكونة لركائز هذه الوطن، فلا يمكن أن يتصور وطن دون مواطن عاشق لوطنه، ولا يمكن أن يتصور وطن دون أمن واستقرار، ولا يمكن تصور وطن ليس لديه مصلحة عليا يُحافظ عليها من ينتمي له، فالوطن هو حقيقة ملموسة تتجسد في أفعال من ينتمي له فيتحقق الأمن والاستقرار والطمأنينة في ذلك المجتمع المكون لأصل كل وطن، وما لم يتسن لتلك الركائز أن تتحقق فإن المقصد الأسمى من كل احتفال باليوم الوطني لن ترقى لفكر ومقاصد المؤسس لهذا الوطن ومن سار على دربه من أبنائه وأحفاده.

عندما يتحدث معاصر الملك المؤسس عنه تأخذهم الدهشة والانغماس في شكل من أشكال الذوق الصوفي من شدة انبهارهم من عقله وحكمته وعدله