في أحد أهم مفردات «رؤية السعودية 2030» وتفرداتها، التي تضع الإنسان السعودي محورًا أساسًا لها، أطلق أمير الحلم السعودي، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد - أيده الله - في 15 سبتمبر 2021، برنامج تنمية القدرات البشرية، وهو أحد برامج تحقيق «رؤية السعودية 2030»، والذي يهدف إلى تعزيز القدرات البشرية الوطنية، لتصبح منافسة على المستوى المحلي والعالمي.

هذا البرنامج الفذ يلبي الاحتياجات العلمية والمعرفية لكل شرائح المجتمع، من خلال تطوير عملية تنمية القدرات البشرية عبر التعليم في جميع مراحله، ابتداءً بمرحلة الطفولة، وبحد عمري مفتوح، وصولًا إلى سوق العمل. وتقوم إستراتيجية البرنامج على ثلاثة أركان: تطوير أساس تعليمي متين ومرن للجميع، والإعداد لسوق العمل المستقبلي محليًا وعالميًا، وإتاحة فرص التعلم مدى الحياة.

بهذا البرنامج العظيم تنتهي حقبة تعليمية وتربوية ممتدة لأكثر من ستة عقود، ساد في بعض مراحلها تحريم تعليم الفتيات، وتحريم تعليم اللغة الإنجليزية وتعلمها أو كراهيته على أفضل الأحوال، وحتى جواز الغش فيه. أكثر من ستة عقود وقعت نهبًا لفكرتين، الأولى: أن العلم الشرعي هو المهم، وهو الذي يجب أن يولى العناية القصوى، وما عداه علوم دنيا لا تقدم ولا تؤخر، وتم الضغط الناعم على هذه الفكرة حتى تلاشت عمليًا، مع وجود ترسبات نظرية لها عند البعض، والثانية: توجيه الصحوة لأجيال عريضة من أبنائها إلى الدراسات التي تمكنهم من تولي مناصب مرموقة، حتى تحولت كليات الهندسة والطب وغيرها كما لو كانت كليات شريعة وأصول دين، لكثرة الطلاب المنتسبين إليها من هذه الفئة، وهذه الفكرة اضمحلت تدريجيًا بالوعي العام المتنامي لدى المواطن السعودي، وحزم المسؤول، لمحاصرة هذا العبث، ليس في التعليم - مع التقدير للجهود التي تجري فيه الآن - وإنما في الفضاء العام بجميع محدداته. ناهيك عن تأثير عصر الحلم السعودي المحلق الذي بدأ مع عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - الذي أسهم في القضاء المبرم على كل مظاهر التطرف الصحوي، ولا يبقى أمامنا إلا الصحوة العميقة، وهي إلى اندثار، لأنها ببساطة في طور الشيخوخة، بلا دماء شابة تغذيها، وهذا البرنامج العبقري مؤذن بهذه النهاية وهذا الاندثار، بحول الله تعالى.

برنامج تنمية القدرات البشرية السعودي ينقل مفهوم المنافسة العالمية من حيز الحلم إلى حيز التنفيذ، ويجعل من مسألة تنافس الكفاءات السعودية مباراة حامية الوطيس بلا خاسر، فكل مكاسبها تصب في خانة الوطن، فالبرنامج، كما صرح مجموعة من المسؤولين، يركز على الوظائف الموجودة في سوق العمل التي من الممكن أن تتأثر بالتغيرات المستقبلية، وتركيزه يأتي من خلال تأهيل وريادة الأعمال، وبث برامج تعليمية قصيرة بالشراكة مع القطاع الخاص، ومسرعات المهارات، وإشراك جهات التوظيف في تصميم وتنفيذ الوحدات التعليمية والتدريبية، وتنمية قدرات ريادة الأعمال في برامج التعليم العالي، وأقسام التدريب مدفوعة الأجر للأفراد.

البرنامج ومبادراته يعمل على تطوير منظومة من القيم، ويسهم في تعزيزها مثل قيم الوسطية والتسامح، والعزيمة والمثابرة، والانضباط والإتقان، بما يحقق قيم المواطنة العالمية، ويعزز من تنافسية وقدرات السعودي العملية والروحية، وهذا الأمر مهم جدًا، وبداية انطلاقة في مسألة خلق قيم التحضر والتمدن، وتسريع سريانها في المجتمع والأفراد. ومن المعلوم أن أي تطور اقتصادي أو صناعي تكتنفه منظومة قيم جديدة مؤثرة، ناتجة عن التغيرات الاجتماعية التي تحدثها هذه التطورات، مما يخلق مجتمعًا قادرًا على مواكبة العصر، ولهذا حديث قادم في مقال بعنوان «رؤية السعودية 2030 والإبدال القيمي المطلوب».

ومما فهمته من البرنامج، تتضمن تفاصيله مجموعة من المسرعات والمنشطات لعملية الإبدال القيمي، القائمة على نفي قيم سيئة لا تساعد على التطور مثل التحفظ والتوجس، وإحلال قيم حسنة مثل الانفتاح على الأفكار والفرص، وهذه المسرعات متمثلة في تركيز البرنامج على ثلاث مجموعات من المهارات، الأولى: مهارات التفكير العليا، بما فيها التفكير التحليلي والإبداعي ومهارات التعلم الذاتي، والثانية: المهارات العاطفية والاجتماعية التي تنمي القدرة على العمل والتواصل مع الآخرين، وتعزيز سلوكيات الانضباط والمثابرة وقيم المسؤولية المجتمعية، والثالثة: المهارات البدنية والعملية، بما فيها المهارات الرقمية، ومهارات الوعي المالي، والتمتع بالصحة واللياقة البدنية، فنوعية وظائف المستقبل تتطلب مهارات قائمة على التفكير النقدي والتحليل، وحل المشكلات والتعليم المستمر، وهو ما يراعيه البرنامج، وهذا لا يضمن فقط أن يكون السعودي مؤهلًا للعمل في أي مكان بالعالم، بل ويضمن نجاحه وتفوقه، بإذن الله تعالى، وهذا يعكس حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - على إعداد المواطن السعودي من خلال محاور إستراتيجية، تقوم على: تنمية الشغف بالمعرفة، والاعتزاز بالقيم، والنجاح في العمل، والريادة والمنافسة محليًا وعالميًا، والتطوير المستمر للمهارات وتنمية القدرات.

البرنامج، ومن خلال ما تعززه مبادراته في مسألة تنمية مهارات المستقبل، بما في ذلك مهارات القرن الحادي والعشرين مثل مهارات التفكير الإبداعي وتحليل البيانات، بالإضافة إلى تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية، والإسهام في تحسين جاهزية السعودي لدخول سوق العمل العالمي، وتهيئته لامتلاك المهارات والقدرات التي تجعله جديرًا للحصول على أي من الوظائف المتاحة في كبرى الشركات العالمية، بما فيها المهن المصنفة كأعلى المهن دخلًا في العالم - يمكن أن نقول إنه يصنع بحق «السوبر سعودي»، حيث إن المخرج النهائي للبرنامج هو سعودي منافس عالميًا، فالمواطن السعودي بدون البرنامج قادر على المنافسة، ولدينا نماذج رائدة لقدرتنا على النجاح، فكيف سيكون الحال بعد البرنامج؟!.

أخيرًا.. «قدراتك مستقبلنا» بهذا العنوان اللافت يمكن اختصار البرنامج العظيم، برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج «رؤية السعودية 2030».