تقوم هذه الفرضيات على أفكار سأحاول هنا تلخيص بعضها. أول هذه الأفكار أن تأثير الطعام لا يرتبط فقط بمحتواه من السعرات والعناصر الغذائية، بل أيضاً بالمدة التي يقضيها داخل الجهاز الهضمي، وبالجهد الذي يبذله الجسم لهضمه والتخلص من فضلاته. كما افترض أيضا أن هناك علاقة بين العبء الهضمي والاستجابات الهرمونية والالتهابية ومن هنا جاء الجدل الكبير حول هرمون الإنسولين تحديدا وما يتصل به من أمراض مثل السمنة والسكري، إذ يفترض أن بعض هذه الاضطرابات المزمنة قد تكون مرتبطة بخلل في التوازن أكثر من ارتباطها بنقص عنصر غذائي أو زيادة آخر. ومن هنا جاء تركيزه على مفهوم «الشبع مع أقل عبء هضمي ممكن» وعلى أهمية فترات الانقطاع عن الطعام باعتبارها فرصة يستعيد خلالها الجسم بعض وظائفه التنظيمية والاستشفائية.
قد تبدو هذه الأفكار غير مألوفة، وقد يختلف المختصون حول صحتها أو مدى دقتها، لكنها في النهاية ليست شعارات عامة أو ادعاءات غيبية، بل فرضيات يمكن صياغتها علمياً واختبارها بالأدوات البحثية الحديثة. وهذا ما يجعلها جديرة بالاهتمام بصرف النظر عن الموقف من النظام نفسه.
في تاريخ العلوم لم يكن التقدم دائماً نتيجة تأكيد ما نعرفه مسبقاً، بل كثيراً ما بدأ من التساؤل حول المسلمات السائدة. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي فكرة جديدة لا تكمن في اتفاقها مع المألوف أو اختلافها عنه، وإنما في قابليتها للفحص والتحقق وإنتاج معرفة يمكن البناء عليها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الجدل الذي أثاره نظام الطيبات. فالنقاش العام انشغل غالباً بالأطعمة المسموح بها أو الممنوعة، بينما بقيت الفرضيات التي بُني عليها النظام أقل حضوراً في النقاش العلمي المنظم.
أرى أن السؤال الذي يستحق أن يطرح بهدوء هو: هل خضعت هذه الأفكار للاختبار الكافي الذي يسمح بتأكيدها أو نفيها؟
إن المنهج العلمي لا يطلب منا الإيمان بالأفكار الجديدة دون تمحيص، كما لا يبرر رفضها لمجرد أنها تخالف السائد. بل يدعونا إلى تحويلها إلى أسئلة قابلة للقياس والدراسة. وإذا كان العوضي يرى مثلا أن مدة بقاء الطعام في الجهاز الهضمي تؤثر في الاستجابات الهرمونية، أو أن العبء الهضمي قد يكون عاملاً مؤثراً في بعض حالات الالتهاب المزمن، فإن الطريق العلمي الطبيعي هو تصميم الدراسات التي تختبر هذه الفرضيات بصورة دقيقة وموضوعية.
تاريخ الطب مليء بأفكار رُفضت ثم قُبلت بعد الدليل، كما أنه مليء بأفكار بدت واعدة ثم أسقطها البحث العلمي. وفي الحالتين لم يكن الحكم النهائي للانطباعات ولا للجدل، بل للبرهان. ولذلك فإن التعامل مع أفكار ضياء العوضي ينبغي أن ينتقل من ثنائية التقديس والرفض إلى مساحة البحث والتجريب والنقد العلمي.
فربما تثبت الدراسات المستقبلية أن بعض هذه الفرضيات لا تصمد أمام الاختبار، وربما تكشف أن بعضها الآخر يستحق مزيداً من التطوير والبناء. أما ما لا يخدم المعرفة حقاً فهو إغلاق باب التساؤل قبل فتح باب البحث. فالعلم لا يتقدم بحماية المألوف، وإنما باستمرار إخضاعه، ومعه كل فكرة جديدة، للمراجعة والاختبار. ربما تثبت الدراسات المستقبلية أن بعض هذه الفرضيات لا تصمد أمام الاختبار، وربما تكشف أن بعضها الآخر يستحق مزيداً من التطوير والبناء.