تكمن خطورة الصحوة اليوم في تحولها داخل المجتمع السعودي إلى تيارٍ فكريٍّ عام، لا يقوم على التحزب والعمل التنظيمي، وهذا التحول المتدرج تصاعديًا من تنظيم مغلق إلى تيَّارٍ فكريٍّ عام، عبر المرور بحالة من التنظيم الهلامي غير واضح المعالم، يسعى إلى خلق تيَّارٍ واسع يستوعب كافة أطياف المجتمع، ولا يدركه المجتمع في الوقت ذاته، يقوم على أساس التجميع حول الفضيلة المتوهمة، ونقد ممارسات الانفتاح الجارية في البلد حاليًا، وقد تمتد هذه الحالة لعقود قبل العودة إلى إستراتيجية العمل التنظيمي الصلب، والذي يمكِّنهم من الوصول لغايتهم الأولى والوحيدة وهي الحُكم، فهم في هذه المرحلة يُخضعون العمل التنظيمي لفقه الضرورات، المتمثل بفك الارتباط بين الحركيين وبين الهياكل التي تم إنشاؤها كمحددات للعمل الصحوي الحركي، وكذلك يمكنهم من التجديد في الأدوات القديمة التي استخدموها في الاستقطاب والتجنيد.

ولعل من أبرز ملامح التوجه إلى خلق تيَّارٍ فكريٍّ عامٍ لا تنظيمي، هو محاولة تفتيت نقد الصحوة، ابتداءً بالقول بموت الصحوة، ثم وصم نقد الصحوة بالمبالغات والتجني على الأحداث والأشخاص، ثم -مؤخرًا- القول بأن نقد الصحوة هو في حقيقته نقد للدين، والأخيرة بالذات بدأت من متطرفين كانوا ينتقدون الصحوة، والتقطها منهم الصحويون وركبوها كموجة، أرشحها للتنامي التدريجي ما لم يتم إيقاف التضليل بها عند حده سريعًا، فالذي يُنتقد اليوم ليس الدين القويم السمح، بل الفتوى والسلوك التديني للمتطرفين، الذين رسخوا مبدأ الهروب من الحياة، والهروب من المباحات عبر مخارج سد الذرائع، والأخذ بالأحوط والأولى، بمجرد الرأي التفسيري لفقيه متزهد في الدنيا على أحسن أحواله لو أحسنَّ الظن، أو لأغراض حركية «نعرفها من أخزم»، وهذان العاملان الفتوى المتطرفة، والسلوك التديني المتطرف، هما أكبر عاملين يمكن أن يشوها صورة السعودية اليوم.

وتتركز سياسة الاستقطاب عند حركيي الصحوة اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، فعلى مدار السنوات الماضية، ومنذ عام 2011، نجحت التنظيمات الصحوية في استقطاب جيل جديد انضم للميليشيات الإلكترونية، والكثير منهم ربما لا يعرفون أنه تم استقطابهم، وأنهم أصبحوا ناشطين دون قصد في خدمة أغراض متطرفة ومطامع سياسية إسلاموية.

ومهما بدا أن القوم قد توجهوا بقوة إلى التجنيد والاستقطاب عن بعد، عبر التطبيقات الإلكترونية، إلا أن المدرسة تظل هي الإستراتيجية الأولى للصحوة في مسألة تجنيد أجيال جديدة، قديمًا وحديثًا، وقد استغلت الصحوة العمل الحركي والتنظيمي عبر المدرسة، في وقت مبكر على اعتبارها الحاضنة الأولى لبث الأفكار والأيديولوجيا الخاصة بهم، وتم تغليف هذا العمل بغطاء تربوي، بل وأبعد من ذلك، حينما جعلت الصحوة ثالث الأسس التي تبني عليها عملها بعد إعادة الخلافة، وحكم الثلة المؤمنة «الحاكمية»، هو تأسيس نظام تربوي وتعليمي مبني على منهجية الصحوة ورؤيتها، لعدم الثقة بالمناهج الحكومية التي ترسخ العلمنة وهيمنة الفكر الغربي، وتقصي الإسلام الصحيح في نظرهم، لتأتي بعد ذلك النظرية المضللة والمخاتلة «الإسلام هو الحل» لتحيط بهذه الأثافي الثلاثة.

والصحويون إذ يرفضون بشكل قاطع التدخل في إعادة صياغة الأنظمة التربوية والتعليمية القائمة، ليس حرصًا منهم على العملية التربوية، بقدر ما هو الحرص على خدمة توجهاتهم، حيث إنهم يدعون العمل على تحصين الطلاب ووقايتهم من الانحرافات العقدية والسلوكية، غير أن الحقيقة غير ذلك، فهم لا ينظرون للعملية التعليمة والمدرسة، إلا كأداة من أهم الأدوات والآليات للاستقطاب والتجنيد، وكل أدبيات الإسلام السياسي المختلفة تشير بوضوح إلى أهمية المدرسة، حيث ينظر إليها أنها خزان بشري لتجنيد الكوادر، فمنظرو الصحوة تفطنوا مبكرًا إلى أهمية التعليم في مشروعهم الطامح إلى صحونة المجتمع، وأن الصحونة تلك ـ إن جازت التسمية ـ لا تتم إلا عبر بناء جيل ناشئ متشرب لأيديولوجيات الصحوة المتنوعة، وبعد سيطرة امتدت لعقود بدأت في الستينيات، وتركزت في الثمانينيات، استطاعوا فرض أجندتها على التعليم، وزرع منهجها داخل بنية التعليم السعودي، حتى تحول من عمله التربوي والتعليمي إلى عملية استقطاب أيديولوجي مباشر وغير مباشر، عبر المعلم والمنهج والنشاط في محيط المدرسة، والصحوة حينما استغلت تنفذها في دوائر التعليم لتحقيق أهدافها، بالسيطرة على أبرز وسيلة قدمت لهم المجتمع على طبق من فضة، وهي المدرسة، قاموا بلا تلكؤ ولا تأخر بالاستقطاب التنظيمي، والترويج لفكر الصحوة ومفكريها، ونشر مؤلفاتهم، وتوجيه المجتمع من خلال توجيه القطاع العريض فيه، وهم الطلاب.

على كلٍ، ما سبق هو فرشة أولية لهذه المعضلة، والتي تحتاج إلى دراسات ميدانية معمقة، ومتابعة دقيقة لما يجري في الفضاءات العامة سواءً التعليمية أو المجتمعية أو الخيرية، وحتى الثقافية.

ونظرً لأن المدرسة هي الوسيلة القديمة المتجددة في عملية الاستقطاب، فأطرح فيما يلي بعض الأفكار في سبيل الحلول المقترحة:

أولًا: المدرسة بوابة واسعة للعبور إلى ثقافة التسامح، وهي ثقافة مهددة لو نجح الصحويون في تمرير مشروعهم الجديد، الذي سيجعل من المدرسة معسكرات للتدريب على العنف الأيديولوجي الموجه، المعنوي والفعلي.

ثانيًا: من المهم أن تقوم المنظومة التعليمية والتربوية في مناهجها على مسألة الحياد وعدم إقحامها في المعارك الفكرية والأيديولوجية غير ذات الصلة بالتحصيل المعرفي.

ثالثًا: يجب إرساء القبول المفتوح دون أي قيد أو شرط بالآخر، وكذلك إرساء مبدأ التعايش في البنية التعليمية، عبر تربية عقلية نقدية تؤمن بالقيم الإنسانية العليا كالتسامح، وإدارة الاختلاف الفكري والتعاطي مع الآخر في إطار المصلحة العامة.

رابعًا: يجب تنقية التعليم من أي اتجاه يمكن أن يصوغ الطالب، وفقًا لتصورات طائفية أو مذهبية مما يسهل اقتياد الطالب إلى تبني وجهات نظر منحرفة تؤدي في النهاية إلى خنق أو موت الحاسة النقدية لدى الطالب، وهذا يجعل ترك الاعتماد على ثقافة التلقين أمرا ضروريا وحتميا لا بد منه.

خامسًا: غرس الحس الوطني والانتماء، من منطلق أن الدولة هي الراعي الوحيد للخير العام، لكونها مجمعا على سلطتها من خلال البيعة، ومن منطلق أنها الضامن الأول والأخير للوحدة الوطنية.

أخيرًا: الأسرة هي حائط الصد الأقوى في مجال حماية الوطن، والمجتمع.