الجمعة 3 ربيع الآخر 1436، كان يومًا وتاريخًا استثنائيًا في مسيرة المملكة العربية السعودية، حينما تمت مبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -أيده الله- والذي لم يدخر وقتًا لمواصلة العمل الوطني، الذي بدأه حتى قبل أن يبلغ أشده، ويستوي على عمره وزمانه، حينما كان مسؤولًا في 19 من عمره المديد، وكان العنوان العريض لمبادئ عمل الملك سلمان، فور توليه دفة الحكم، هي السعودية أولًا وطنًا ومواطنًا، ولذلك عمل على تغيير نمط الحياة بشكل تام، ليتناسب مع التقدم الذي يشهده العالم في مختلف المجالات، ولكن بدون إغفال أهمية التمسك بالشريعة الإسلامية، والتي تمثل للمملكة خاصية كخاصيتي البقاء والفناء.

انطلقت سياسة الحكم تلك من حين تسنّم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الملك في أهم بلد عربي وإسلامي، وواحد من أهم بلدان العالم، بحزمة قرارات خارجية، وأخرى داخلية شكّلت نقلة نوعية في المجتمع السعودي، أهمها: أن السعودي صار له حلم، وصار هناك ما يمكن أن نطلق عليه «الحلم السعودي»، بل وأبعد من هذا حينما صنع للحلم قائدًا وفارس ميدان، لا يمكن تجاوز اسمه، وهو صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -أيده الله- الرقم الصعب في المعادلة السعودية الجديدة، والذي يحق لي تسميته «بـأمير الحلم السعودي».

وباستدعاء التاريخ نجد أن الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وهو يستقبل عامه الأول من ضمن 32 عامًا سيكمل فيها مسيرة توحيد الكيان السعودي، يعرف حق المعرفة كل عوامل البقاء للدولة الفكرة حينها، وفي الوقت ذاته كان يدرك بشكل دقيق، ما هي عوامل التلاشي المحتملة، كما ذكر الزركلي في كتابه الوثيقة «شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز» ولذلك سار بكل براعة في حقل ألغام شديدة الانفجار، ليسلم في عام 1932 مملكة مترامية الأطراف لشعب فتيٍّ أبيٍّ يستحق الحياة، والعيش مرفوع الجبين، لتستمر سلسلة الذهب من ملوك العهد السعودي الزاهر، ليصل الأمر والحكم إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والذي أعاد سيرة والده الإمام المؤسس في بداية التأسيس، مسترجعًا عوامل شيخوخة الدولة، وهرمها ليقوم ببث الروح فيها من جديد ويغيِّر الدماء بالدماء الشابة الفتية، ليضع بذلك أكبر تحول سياسي سعودي يمكن أن يحدث في كل العهود قبله، ليبدأ عهد من القوة والعزم والحزم، في نقل الإنسان السعودي إلى أقصى مدى يمكن أن يصل إليه مواطن عربي أو مسلم أو عالمي.

وقد لخص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - أيده الله – في خطابه الذي ألقاه، عبر اتصال مرئي، أمام أعمال الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الأربعاء 22 سبتمبر 2021، سياسته الداخلية والخارجية بأسطر قليلة عبر التقيد بالمبدأ الإصلاحي الأول، وهو العودة إلى الذات والعمل عليها أولًا، إذ قال - أيده الله -: «إن جوهر رؤية 2030 التي تبنتها المملكة هو تحقيق الازدهار، وصناعة مستقبل أفضل، ليكون اقتصادنا رائدًا، ومجتمعنا متفاعلًا مع جميع العالم». وكما هو معلوم، فإن الاقتصاد الرائد، والمجتمع المتفاعل مع جميع العالم لا يتحققان إلا بجهد كبير يسبق كل الظروف الزمانية والمكانية، وهو ما عززه - أيده الله - بقوله: «إننا قطعنا أشواطًا كبيرة، خلال السنوات الخمس منذ إطلاق هذه الرؤية الطموح، في دعم الصناعات المحلية، وتطوير البنية التحتية، وتقنيات الاتصالات، وحلول الطاقة، والاستثمار في قطاعات عدة، بالإضافة إلى تمكين المرأة والشباب، وتحسين جودة الحياة للجميع»، فتمكين المرأة والشباب، وتحسين جودة الحياة لا يأتيان أبدًا من خلال رغبات وأمنيات فقط، بل من خلال قرار سياسي شجاع وحكيم بعيد النظرة، يقصد هدفًا أسمى هو إعلاء شأن الإنسان السعودي، مع دعم هذه القرارات بخطة عمل وتنفيذ جادة وصارمة وحازمة، تنطلق من دراسات مبدعة ومحلقة، وغير اعتيادية على مستوى العمل الحكومي، وهذا ما أثبتته كل دقيقة في فترة حكم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -أيده الله-.

سيكتب التاريخ مجداً تليداً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لا يقل عن الأمجاد التي سطرها أسلافه الأوائل، من حكام الدولة السعودية بأدوارها الثلاثة، فقد كان المراقبون يتوقعون أن يكون عهد الملك سلمان استمرارًا للنهج المتحفظ في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وأن الدولة ستكرس خطَّها المحافظ وتركزه أكثر، عطفًا على ما عرفوه من التزام رجل الدولة سلمان بن عبدالعزيز، طيلة عمله مع الملوك الخمسة الذين سبقوه، غير أن الذي لا يمكن أن تدركه تلك التقارير والدراسات الخارجية أو أن تفسره بشكله الصحيح هو أن إمكانية المزاوجة بين الالتزام القيمي والانفتاح المنضبط، الذي يخدم الوطن والدولة والمواطن، لدى رجل تربى في مدرسة المؤسس الملك عبد العزيز تعد من الأبجديات، كما أن الدراية الفطرية قبل العملية والعلمية بالسياسة هي من خصائص تلك المدرسة الفريدة، ومن هنا لم يكن ليجرؤ على عمل التغيير الذي تم في عهد الملك سلمان إلا من توفرت عنده خبرة هضمت كل إيجابيات العهود السابقة وسلبياتها، لهذا جاء هذا العهد كنسخة منقحة لما يجب أن تكون عليه السعودية، وفقا للمعطيات الحضارية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عهد، وزمان شهد قفزة تنموية وحضارية نوعية، وضعت سنوات ما قبل زمان سلمان بن عبد العزيز في كفة، وسنواته السبع المنصرمة في كفة تراكمت فيها الإنجازات والإصلاحات، على شكل متوالية حسابية على مختلف الأصعدة «الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والصحية، والثقافية، والرياضية».

والسعودي اعتاد التعامل مع حكامه كما يتعامل مع أهله، فحينما يقابل الملك أو ولي العهد، يناديه بكنيته، ولا يتكلف في ذلك شيئاً، وأكبر من رسخ هذه الثقافة وعمَّقها هو سلمان بن عبد العزيز، الذي يزور المريض، ويقبل دعوة المواطن على طعامٍ أو قهوة، ويحضر الأعراس، ويصلي على الأموات، ويتبع الجنائز، ويؤم العزاءات، وهذا ديدنه يمشي على الأرض، وهو يَلُوح للناس في السماء، ولهذا هو أكثر من ملك.