هذه الأخلاط من المهاجرين جمعها هدف واحد: سرعة تحقيق الثراء على المستوى الفردي، وسرعة توفير الرخاء في المجتمع بأسره. وقد كان من شأن وحدة الهدف وشدته أن وهبهم قوة بالغة وقدرة عظيمة، فاستطاعوا خلال قرنين من الزمان تعمير قارة بأسرها، وإقامة صناعة شاملة، وتحقيق مجتمع الوفرة، غير أن النشأة وطبيعتها، والكفاح وأسلوبه، تركا على الشخصية الأمريكية بصمات ظاهرة، وأورثاها طابعا مميزا، وهو ما يسمى «البراجماتية» (أو العملية أو الذرائعية أو الوسيلة أو الأداتية).
ففي ظروف الكفاح الشديد المتواصل مع الطبيعة والظروف، والسباق اللاهث مع المتنافسين ومع الزمن، لم يكن لدى الأمريكيين متسع من الوقت لوضع الأفكار أو صوغ الأشعار أو الإسراف في الحديث أو إضاعة الفرص أو قتل الوقت أو الدخول في تجارب غير نافعة. لقد كان الوقت هو المال، وقد يكون هو العمر، حيث كان الفرد منهم ـ وبخاصة المغامر ـ لا يأمن أن يقتل في لحظة خاطفة أو أن يضيع ماله في ضربة واحدة، وبذلك كانت اللحظة عنده هي الأساس والهدف، فلم يكن مربوطا إلى الماضي، ولم يكن مشدودا إلى المستقبل إلا بقدر قليل جدا. لقد كان الأمريكيون مجتمعا من العاملين لا تصدر تصرفاته عن فلسفة كاملة، ولا تبسط أفعاله بنظريات فكرية أو قواعد مذهبية مسبقة، وإنما تركز فهمهم وتقديرهم حول معنى واحد: إن الوسيلة المحققة لكسب المال هي وحدها الوسيلة الفعالة، وبمعنى آخر أن الفكرة أو الاقتراح أو العمل يكون صحيحا بمقدار ما يؤدي إلى نجاح، فليست ثمة ضرورة ولا لزوم للوقوف عند مناقشة مسبقة للفكرة أو تحليل مبدئي للاقتراح أو تشريح أولي للعمل ما دام ذلك يؤدي إلى حلقات من الجدل لا تنتهي، أو أبنية من النظريات قد تتصادم، أو صيغ من البدائل ربما عطلت.
فلم يكن الوقت أو الظرف يسمح لهم بهذا الترف العقلي الذي كان قد أوجد الفلسفة الإغريقية، والذي لا بد منه لكي توجد أي فلسفة أخرى. إن فلسفة الأمريكيين نشأت من ظروفهم وصدرت عن طبيعتهم، وخلاصتها أن أي فكرة تتحدد بالنتائج العملية التي تؤدي إليها. وقد كان ذلك نتاجا واقعيا لشعب يعمل قبل أن يضع نظرية عقلية عن عمله، ويبحث دون أن يضيع جهده في صياغة أطر فكرية لهذا البحث.
وبعد أن أستقر المجتمع الأمريكي، نوعا ما، بدأت تصاغ النظرية التي هي في الواقع طبيعته في التصرف وأسلوبه في العمل، وبهذا ظهر المذهب البراجماتي (أو العملي أو الذرائعي أو الوسلي أو الأداتي).
اللفظ بالإنجليزية هو Pragmatism، وهو يعود ـ أصلا ـ إلى اللفظ اليوناني P a y u a بمعنى Action، أي أداء أو طريقة العمل وأسلوبه، أو العمل أو الفعل أو التصرف أو السلوك، وبمعنى: Affair أي شئون تجارية أو مهنية أو عامة، أو مسألة أو أمر أو شأن.
وقد أشار المؤرخ الإغريقي بالبيوس (المتوفى 118 ق.م) إلى كتاباته بأنها عملية Pragmatic، بمعنى أنها قصدت أن تكون بناءة ومفيدة لقرائه، وذلك اللفظ اليوناني هو أصل اشتقاق لفظي practical - Practice، بمعنى: عملي.
لكن لفظ Pragmatism لم ينفذ إلى الفكر الأمريكي من أصله اليوناني، وإنما وصل إليه من خلال دراسة «بيرس» فلسفة «كانط» الألماني، الذي قد ميز في كتابه «ميتافيزيقا الأخلاق» بين لفظي براجماتيك Pragmatic وعملي practical، فالعملي عنده ينطبق على القوانين الأخلاقية التي يعدها أولية (a Priori).
أما البراجماتيك Pragmatic، فينطبق على قواعد الفن والصنعة التي تعتمد على الخبرة وتقبل التجربة. واللفظ الألماني Pragmatich، الذي استعمله «كانط»، يشير إلى التجريبية أو الوضعية أو الفكرة المفيدة التي تؤسس على تطبيق للخبرة. ومنذ منتصف القرن الماضي، بدأ المجتمع الأمريكي يحدد ملامح شخصيته، ويرسم لنفسه خرائط للفكر، ويُوجد لذاته فلسفة خاصة به، غير أن المفكرين والفلاسفة الأمريكيين ـ ربما جريا على رغبة الشعب في اتخاذ نهج مخالف عن الغير وخاص بهم وحدهم ـ لم يتبعوا أساليب الفلسفة الأوروبية التي درجت على إقامة أبنية شامخة، ووضع صيغ كاملة عن المسائل الكونية والعقلية والوجودية والأخلاقية وغيرها، وإنما عبروا تعبيرا واضحا بسيطا عن الروح الأمريكية نفسها، فكان المذهب البراجماتي.
قد بدأ التعبير بتشارلز ساندرز بيرس (1839 ـ 1914)، الذي يعد مؤسس المذهب البراجماتي، والذي حدد معنى أي فكرة بأنه النتائج الفعلية التي تؤدي إليها تلك الفكرة.
ثم تبعه وليم جيمس (1842 ـ 1910) الذي يرى أن الشعور نشاط إيجابي يختار بإرادته ما يحقق مصلحته، ويؤدي إلى هدف مقصود، فلا يكون العالم مفروضا على الإنسان، بل إن الإنسان يقتطع لنفسه ما يريده من مجرى الحوادث المتصل، فالإرادة والمصلحة الذاتية أوليان في طبيعة الإنسان، والمعرفة أداة لتحقيقهما.
ويضيف: إن الحق كل ما هو ناجح في الوصول بالإنسان إلى غرضه. وتلاهما جون ديوي (1859 ـ 1952)، وهو الذي فضل تسمية المذهب «الذرائعية» أو «الوسيلة».
ويرى أن التفكير الذي تثيره مشكلات الواقع إنما هو وسيلة يهتدي بها الإنسان إلى الوجود، ويشعر بالطمأنينة عن طريق المعرفة العملية التي تعكس العالم الخارجي، وتطابق القوالب المنطقية التي تمكننا من السيطرة على شئون الحياة.
ثم يضيف: إن معيار الحقيقة هو نجاح الأفكار. وتابع هؤلاء في الولايات المتحدة جورج هربرت ميد (1863 ـ 1931)، وفي بريطانيا ف. س. س شيللر، وفي إيطاليا جيوفاني بابيني، أي أن المذهب البراجماتي صدر إلى خارج الولايات المتحدة، لكنه مع ذلك بقي أمريكيا، لأنه ليس نتاج مفكر واحد، ولا هو انعكاس لرأي فيلسوف، ولا هو بناء لرجل مفرد. إنه في الحقيقة ـ وعلى ما سلف ـ تعبير فكري عن الروح الأمريكية التي تكونت خلال ظروف الكفاح، وتشكلت في أثناء قيام الصراع بين المهاجرين الأمريكيين، وظروفهم البيئية والاجتماعية.
ومن خلال الآراء السابقة، يمكن القول بأن «البراجماتية» ترى أن مهمة الأفكار هي رسم خطط السلوك الناجح، بحيث تدل على ما عسى أن ينجم من نتائج فعلية، وما عسى أن تتلقاه الحواس منها، وبأي الردود العملية تتم الاستجابة. فـ«البراجماتية» منهج لتوضيح المفاهيم أكثر منها مذهب فلسفي.
إنها تؤكد أهمية العمل الإنساني والتجربة. كما أنها تعلي من شأن العمل على شأن المذهب، والخبرة على الأفكار الثابتة، وترى أن الأفكار تستعير معانيها من نتائجها. كما تستمد حقيقتها من صحتها.
إنها تقوم أساسا على مبدأ أن الفائدة والقدرة والفاعلية لأي سياسة أو اقتراح أو فكر هي وحدها معيار الجدارة والاستحقاق. كما تُبني على أن الخبرة الإنسانية العادية هي المنهج النهائي والأخير لكل معرفة وقيمة.
1998*
* كاتب وقانوني مصري «1932- 2013»