يكرس الفيلسوف الفرنسي جان لوك ماريون أكثر المفاهيم صرامة لكل أبعاد الحب عبر سلسلة من التأملات الفلسفية، ذاكرا أن «الحب نتحدث عنه دائما، نختبره كثيرا، لكننا نفهم القليل أو لا نفهم شيئا عنه».

ويذهبماريون إلى أن الدليل على ذلك «أننا نمزقه بين الأضداد والمتعة الخام والعمل الخيري المجرد، المواد الإباحية والعاطفية، إلى أن يصبح الأمر سخيفًا أو تافها».

ويؤكد «ماريون» في كتابه «ظاهرة الحب» أن «الفلسفة أقنعتنا بتفسيرها للحب على أساس الوعي الذاتي كمتغير مشتق وغير عقلاني من الفكر الواضح للعاطفة، وأن الحب لا يستمد من الأنا، ولكنها تسبقه وتعطيه لنفسها، لذلك يجب أن نحاول وصف الوعي بالحب من هذا الوضع الأصلي، الحاجة المطلقة إلى أن تكون محبوبا وعجز المرء الجذري عن كره نفسه»، ملحا على أن «التبادل العاطفي حيث يعطي الجميع، حيث ما يقال ويفعل في اتجاه واحد فقط، لأن الحب يتكشف منطقيا، ويصل إلينا بجدية لا متناهية، والأهم من ذلك أنه لا ينشأ من الأنا».

الحقيقة هي الحب

قبل وقت طويل من سؤال الفلاسفة «أكون أو لا أكون»، أو سؤال العلماء «أن تعرف بالتأكيد أو تتجاهل»، استحوذ على الإنسان سؤال آخر: «هل تحبني؟» أو «هل هناك من يحبني؟». ويرى «ماريون» أنه دون إجابة عن هذا السؤال يقع كل كائن وكل يقين تحت تأثير الغرور.


بينما استمر الفلاسفة في الحديث عن الحب على مر القرون، وهم يحاولون إدراكه وفهمه من خلال تحليلاتهم الخاصة للعواطف، إلى أن أصبح مفهوم الحب لم يعد في قلب الاهتمامات الفلسفية الرئيسة لفترة طويلة، حيث فُضل العقل أو الحقيقة أو الوجود عليه، وشاعت فكرة «أن تحب الحقيقة هو الحب أولا وقبل كل شيء».

التأملات التي يطرحها الكتاب تبدو وكأنها تهدف إلى تجاوز احتكار الشعراء والعشاق ظاهرة الحب، وإحالتها إلى دوائر فلسفية، فالحب بصورة ما أصل الفلسفة، فـ«فيلو-سوفي» تعني «حب الحكمة»، إذن الحب موجود في بنية الفلسفة، لكنها اختارت أن تنحيه على حساب الحكمة.

إثارة الشكوك

لهذا السبب قرر جان لوك ماريون، الأستاذ في جامعتي السوربون وشيكاغو المتخصص في ميتافيزيقيا وظواهر ديكارت، المخاطرة بستة تأملات، للإسهام في فلسفة الحب.

ويكاشف القارئ بوضوح: «سيتعين علينا استبدال التأملات المثيرة بالتأملات الميتافيزيقية»، متحدثا مثل ديكارت، بصيغة المتكلم، مشككا في مكانة الجسد والحب في الفلسفة، كما لو أن الحب والفلسفة تم وضعهما كمجالين محكمين لبعضهما البعض، أو بالأحرى كما لو كانا يتقاتلان من أجل أولوية أساسية، تتساءل: ما الذي يجعل الإنسان يحب؟، هل هو في جوهره كائن يفكر، كما يقول ديكارت، أو قبل كل شيء وبشكل حتمي «كائن يحب»؟.

التحدي الذي تناوله جان لوك ماريون بشكل جذري في كتابه هو التفكير في الحب من وجهة نظر فلسفية:

ما الذي يمكن أن يفكر فيه المحب؟.

ووصل إلى القول: إذا أخذنا في الاعتبار أنه في هذا العالم يحب الإنسان فقط، لأن التفكير يغلبه بطريقته الخاصة، فالحيوانات وأجهزة الكمبيوتر تفعل ذلك أيضا، أو حتى أفضل منه، لكن لا يمكننا تأكيد أنهم يحبون.

تحولات الجسد

إذا كانت كل صفحة من هذا الكتاب مبهرة، وتتميز بالذكاء والعمق، يظل جان لوك ماريون مخلصا للتقاليد الديكارتية، للفكر المنطقي، لإثارة الشكوك، إذ يكتشف أنه لا يمكننا العثور إلا على حقيقتنا الخاصة بكوننا كائنات محبة، وأن مسألة الحب تحتل مكانا في الفلسفة الأولية، فإن يشعر المرء، ثم يعرف أنه يحب هو أولوية الوجود في الواقع.

ويطرح «ماريون» تساؤلات، للتفريق بين العواطف والجسد، مقدما عدة إجابات توصله إلى أن مفهوم الجسد، الامتداد الفيزيائي للذات في المكان والزمان:

«أنا جسدي، وعبره أستشعر اللذة سواء من نفسي أو من الآخر»، وهنا يقارب «ماريون» تحولات الجسد / أنا إلى منبع للذة، حيث الحب كظاهرة تمس الأنا والآخر، توحد الأنا والآخر، للوصول إلى خيار وجودي دائم مستمر، لا يتحقق في لحظة واحدة، ولا بحضور جوهري ميتافيزيقي ثابت الخواص.

__________________

جان لوك ماريون

*مواليد 1946

*فيلسوف وعالم لاهوت كاثوليكي فرنسي

*استلهم أعماله من علم اللاهوت الآبائي والصوفي، وعلم الظواهر، والفلسفة الحديثة

*تخصص أكاديميا في أعمال ديكارت وعلماء الظواهر مثل مارتن هايدجر وإدموند هوسرل

* عمل في تدريس الفلسفة بجامعتي السوربون وشيكاغو

*أحد أعظم العقول في النقد الفلسفي المعاصر

من مؤلفاته:

فلسفة العصر العشرين / الحادي والعشرين

فلسفة المنطقة الغربية

الفلسفة القارية الظواهر..

علم الظواهر

ما بعد الحداثة