الاحتكار ورفع الأسعار يعتبر من أسوأ الجرائم الاقتصادية التي تؤثر في حياة البشر!، ما يحدث حاليا في بعض مناطق الرياض فيما يخص أسعار العقار والأراضي شيء خارج عن المعقول، وعندما نقول خارج عن المعقول فإننا نتكلم عن الجغرافيا والحساب والتاريخ.

ولنتكلم من ناحية علمية مبسطة، بما أننا حاليا نستخدم المعادلات الدولية في كثير من المجالات، ونحن جزء من هذه القرية الكونية، فعالميا المعتاد أن قيمة السكن تكون 4 إلى 4.5 أضعاف الدخل السنوي، أو هكذا تحسب البنوك قيمة القروض العقارية حول العالم، ولنقل من باب التبسيط خمسة أضعاف الدخل السنوي، ومعدل رواتب السعوديين حسب الإحصاءات حوالي 10 آلاف ريال شهريا، ما يعادل 120 ألف ريال سنويا، أي أن قيمة العقار للسكن كمعدل مفروض تكون 600 ألف ريال.

وطبعا كل مجتمع يعتمد كثيرا على العرف، والعرف لدينا لسكن العائلة هو (فلة)، هل معدل أسعار الفلل المعقولة في أماكن مقبولة في الرياض 600 ألف ريال؟!، بل هل توجد فلة معقولة في الرياض بهذا السعر! نحن نتكلم وأكررعن المعدل العام للرواتب، وليس حتى الرواتب الدنيا، وما يتفق مع المعادلات الحسابية عالميا للسكن بشكل تقديري.

قد يقول قائل إن أسعار الأراضي والعقار في أماكن أخرى من العالم غالية، لكن نحن لسنا في منهاتن مثلا، ومحاطة ببحر والخلجان والأرض محدودة ولا يمكن التوسع بها، بل -ما شاء الله- الرياض أرض الله الواسعة تقدر تتوسع لحد ما تصل القصيم لو أردت، إذن الجغرافيا ليست عائقا، أذكر أن كثيرا من الأماكن الحالية في شمال الرياض كنا نروح نكشت فيها لما كان صغار.

حتى تاريخيا الأسعار لم تكن تصل إلى جزء مما هي عليه اليوم على عهد آبائنا ولا في أي فترة سابقة،

أحب الرياض جدا رغم غيابي لعقود، وكتبت عنها كثيرا كما يكتب العاشق عن معشوقته، لكن لأننا نحب الرياض يجب أن نجعل الرياض جميلة في جميع النواحي، وهذا يشمل أسعار السكنى والتملك، ولنجعل سكان الرياض يستمتعون بالعيش بها بدلا من أن يحملوا هم غلاء السكن وتملك مسكن، خصوصا إذا أردنا أن نضاعف أعداد سكان الرياض.

للأسف هناك بعض تجار العقار، ولست استنقص منهم، ولكن تعليمهم ضعيف ولا له في الاقتصاد لا من قريب ولا من بعيد، ومأخذ الموضوع كأنه شغل شريطية وتجمع وجلسات لمن هم على شاكلتهم، يكتم ويقفل على الأرض لسنوات وعنده (صندقة أو كرفان) وجلسات شاهي الضحى وتدبيل للأسعار دوريا، وما يعرف إلا ثلاث جمل (الأرض لا تأكل ولا تشرب)؛ يعني ما فيه تكاليف، و(العقار الولد البار)، والجملة الثالثة (إذا فيه رسوم أو تكاليف حطها بظهر الضعيف)؛ يعني المشتري النهائي.

نحن أناس عمليين وواقعيين، ولا نطالب أن ينهار العقار والله يرزق من يشاء، لكن نريد أن تكون أرباحهم بالمعقول والمنطقي، وللأسف بعضهم تلقاه مجهزين لك أعذار يتداولونها بينهم، من قبيل أن الإيقافات السابقة شمال الرياض والمشاريع الجديدة، وهناك نقص في ضخ الأراضي... وإلخ، كل هذه الأعذار والشماعات لا تفسر الزيادة المهولة في أراضي وعقارات الرياض!

هذا التكنيز والتجميد لترليونات الريالات في العقار والأرضي لو ضخ جزء منه في الدورة الاقتصادية لرأينا الناتج الإجمالي الوطني والنمو السنوي يزيد ويتضاعف، بل رأيت عشرات الآلاف من الوظائف سنويا ستدخل السوق.

هذا هو التأثير المباشر، فما بالك بالتأثير السلبي لهم في التجارة والصناعة في السعودية، الآن بعض التجار بدأ يتحول من تحريك المال والصناعة والتجارة إلى أسهل الطرق، وهو تجارة العقار والأراضي لأن ليس فيها تكاليف ولا أيدي عاملة كثيرة ولا مهارات عديدة (ولا دوخة راس وإنتاج)، والأسعار والأرباح تزيد وتتضاعف!.

إذن بعض العقاريين لديهم تأثير سلبي حتى في الأنشطة الاقتصادية الأخرى ودورة المال في الاقتصاد السعودي، وهذا عكس أسس ومرتكزات وروح الرؤية العظيمة، وببساطة ما يفعله بعض تجار العقار يؤثر في خطط الرؤية الطموحة، خصوصا في الرياض التي هي عاصمة الرؤية و مركزها.

الآن اسمع بعض الكلام من الناس أن تجار العقار ما ينقدر عليهم! وأذكر جيدا عندما كنا نكتب سابقا عن الفساد ولسنوات، وكان كثير من الناس يقولون تضيعون وقتكم والفساد جزء من الحياة الاجتماعية، وهؤلاء حيتان ما ينقدر عليهم، وكملنا الطريق بنقد الفساد لسنوات ولم يحصل شيء إلى أن أتى القائد الفذ (أبو سلمان) سمو ولي العهد وضرب الفساد في مقتل، وكانت موقعة الريتز الشهيرة التي أعادت الأمور إلى نصابها الصحيح، بعد أن ظن الكثيرون أن الفساد لن ينظف من البلد، وبعدها اكتملت خطوات محاربة الفساد ونزاهة، لا يوجد مستحيل مع السعودية الجديدة!.

إن بعض التجار سواء علموا أو لم يعلموا يؤثرون في الدورة الاقتصادية للبلد، وعلى خطط ومرتكزات الرؤية الجبارة، وعلى راحة ورفاهية إخوانهم المواطنين السعوديين، ويحتاجون إلى وقفة صلبة، ووزارة الإسكان لديها أدوات عديدة، ولا أرى مانعا من منحها أيضا زيادة صلاحيات أو حتى وضع أو إصدار قوانين جديدة للتحكم بالسوق العقاري وإرجاعه إلى الطريق المعقول والمنطقي، فمصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد. دائما ما كنا مع حرية التجارة والسوق والمرونة، ولكن عندما يختل التوازن يأتي دور المنظم للتدخل، ونأمل خيرا من وزارة الإسكان للتدخل بحزم، فنحن في عهد الحزم.