استمعت إلى حلقة بودكاست «سقراط» مع الرئيس التنفيذي لمركز الاستحقاق المحاسبي، عبدالله المهذل. وعلى الرغم من أن الحلقة كلها مهمة، ومثرية لكل من يعمل في قيادة القطاع الحكومي، أو من يعمل على وجه التحديد في الشؤون المالية أو الميزانية أو المشتريات والأعمال الإدارية، فإنني استفدت شيئا آخر بعيدا كل البعد عن محتوى اللقاء. الحقيقة أنني استفدت كثيرا من الهدوء والاتزان في شخصية الأخ عبدالله. أعجبني بشكل كبير صمته المُطبق، عندما يقاطعه المحاور، وهو مسترسل في نقاشه، حيث يصمت تماما حتى ينتهي المذيع من مداخلته، فيجيب عنها بحضور ذهن متقد ومتميز.

الأسبوع الماضي كنت بفريق ضمن عملي، نستقبل وفدا من جهة أخرى. كان رئيس فريقنا أحد الزملاء، الذي يعمل مديرا للقطاع الذي جاء الوفد للاطلاع عليه. في خضم المناقشات كنت جالسا في مكان يمكنني منه الاطلاع على تعابير وحركات أجساد الجميع، ولاحظت أن زميلنا يتحدث بنبرة صوت هادئة جدا، مع ما يصاحبها من تدفق غزير في المعلومات. وأكثر ما شدني هو ثبات جسده في كامل النقاش، حيث لم ينفعل كثيرا، ويتحرك ويومئ، ويغير من طريقة جلسته.

في ظني أن هذين المشهدين يعودان بشكل كبير إلى ثقة عالية بالنفس، وهذه الثقة لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج تجارب وأعمال، ومعرفة كبيرة في مجال أو مجالات يعمل فيها الإنسان. الجميل في الأمر أن مثل هؤلاء الرجال لا يتحدثون كثيرا في الأمور التي لا يفهمونها، بل تجدهم في صمت مستمر حول أي نقاشات لا يستطيعون أن يتحدثوا فيها، أو لا يملكون حولها معلومات كافية، حيث يحيلون الشخص إلى آخرين، يمكنهم الإجابة بشكل أفضل.


في ورقة منشورة على موقع معهد الإدارة العامة، يرى المرشد الاجتماعي بالمعهد، أشرف فؤاد أبو سالم، أن مصادر الثقة بالنفس تعود إلى عدد من العوامل، منها: أهمية زيادة المعارف والتجارب، وكذلك قدرتك على التواصل مع الآخرين، إذ كلما زادت معارفك زادت ثقتك، وكذلك تجنب كثيري الشكوى والتذمر وعديمي التفاؤل، وأيضا تطوير مهارات اتخاذ القرار. يضاف إلى ذلك حبك وتقديرك لنفسك مع عدم المغالاة في ذلك، ومعرفتك نقاط القوة ونقاط الضعف، وتعزيزها وتحسينها.

مؤخرا بدأت أميل إلى الصمت بشكل أكبر من المعتاد، خصوصا في الاجتماعات غير المعتادة، ومع مرور الوقت بدأت اكتشف أمورا كانت تغيب عني في السابق عندما كنت أشارك في كل نقاش وجدل. بدأت الآن أركز في المتحاورين، وفي مواضيع النقاش، ورأيت (وقد أكون مخطئا في هذا التحليل الشخصي) أن هناك من يرغب في أن يناقش من أجل توصيل رسالة للآخرين بأنه فقط موجود، فهو يتحدث في كل شيء وعن أي شيء، في السياسة والطب والهندسة الزراعية والاجتماع والاقتصاد، وإلى ما لا نهاية من الموضوعات التي هي محل النقاش. هذا الشخص لديه قدرة عجيبة في تحويل الكلام ودفة النقاش إلى ما يرغب أن يتحدث به دون انتباه الموجودين، فهو ينتقل بسلاسة من موضوع إلى آخر دون شعور. والحقيقة أن اكتساب مثل هذه المشاعر عنك لدى أشخاص، قد لا يمكن لك مقابلتهم مرة أخرى، هو أمر مزعج للغاية.

هنا بطبيعة الحال لا أدعو إلى الصمت الكامل في المناسبات الاجتماعية، ولكني أدعو إلى الاتزان، واقتصار الحديث على ما تعرفه، لتترك التأثير والانطباع الجيد عنك، وعن مهاراتك وعلمك. ومن وجه آخر، صمتك سوف يترك المجال لغيرك، ليتكلموا فيما يدركونه ويعرفونه، وبالتالي فإن الفائدة ستعم الجميع.