قدر الإعلام أن تظهر فيه ممارسات غير موجودة في المجالات الأخرى، وهذه الممارسات - بطبيعة الحال - تكون أمام مرأى ومسمع الجميع، مما يجعلها ذات أهمية، ويجب الوقوف عندها إذا اعتبرت تلك الممارسات حقا مهنيا مشروعا، وبالتالي يمكن تصديره وتكراره في أكثر من كيان ونموذج إعلامي.

أن أهم وأخطر ما قد يواجه الإعلام - والأخطار حوله كثر - هو تقاطع المصالح لدى العاملين في هذا الحقل، فالحديث هنا عن ممارسات تضرب بالمهنية عرض الحائط، وتهز أركان المبادئ الإعلامية دون وجود لأي اعتبار مهني، فعملية التقاطع تشمل رأس الهرم الإعلامي من أعلاه حتى أسفله. فمن غير المقبول، ويربك أركان المنطق، أن يقود شخص دفة مؤسستين إعلاميتين، حتى وإن اختلفت الوسائل، فالخبر الحصري والانفراد حق مشروع لكل وسيلة، وبالتالي مهما يبلغ من الحيدة والموضوعية، فإنه سيقع في فخ خدمة المؤسستين الإعلاميتين اللتين يعمل بهما ويقودهما، بل قد يعمد لأن يجعل إحداهما تقتات على الأخرى.

الغريب أن الأشخاص أنفسهم، الذي يقودون منشآت إعلامية متنافسة، لديهم القدرة على الظهور أمام الملأ، والحديث عن المهنية والموضوعية، وما ينبغي أن تكون عليه المهنة وسبل تطويرها!، على الرغم من أنهم لو وضعوا على ميزان المهنية، لسقطوا فيه بامتياز نظير اقترافهم تلك الممارسات، بل أقولها صادقا، ووفقا لجميع الأعراف المهنية: ما يحدث يستدعي إيقاف أولئك الأشخاص من مزاولة المهنة.


وبالنظر أيضا لأسفل الهرم، ندرك جميعا تمام الإدراك، وتحديدا لمن تعمق في المطابخ الإعلامية، أن هناك صحفيين يعملون لمصلحة جهتين متنافستين، في الأولى يظهر باسمه، وبالأخرى باسم مستعار، هروبا من القانون. غير أن الضمير المهني المتوفى لم يرعه، فكثير من نماذج «الدسك» في وسائل الإعلام تسرب الأخبار لوسائل إعلامية أخرى بمكافأة شهرية ثابتة، مما يمثل سرقة مهنية واضحة لجهد الوسيلة وعملها.

وبالحديث عن هذه الظاهرة تحديدا يجب أن نقول إن معظم الصحف الإلكترونية، وبكل أسف ومرارة، والتي كان من المفترض بها أن تقود القاطرة نحو التحول التقني للصحافة، هي من ابتدعت ذلك الأسلوب منذ مطلع الألفية، و«سرقت»، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، أي جهد مهني وإخباري لكيانات إعلامية عملاقة، من خلال منح «جواسيس» لها في تلك الوسائل مكافآت مالية.

إن تلك الحالات في الازدواجية المهنية أسهمت كثيرا في إضعاف المحتوى الإعلامي، وجعلته هشا ومخترقا ونسخا متشابهة، بلا طعم ولا لون، بل أصبح نواة لتوليد مواد مكررة، تفتقر لأي عمل إبداعي وأي جهد صحفي، فضلا عن كون الطموح أكبر بكثير من هذا كله، ومستوى الاستقصاء الذي نطمح له أكبر بكثير لصناعة قصص خبرية، والارتقاء بالمهارات الصحفية.

فالانتقادات المتتالية من مختصين وغيرهم حول إعلامنا المحلي والدولي، وسهام الاتهامات، التي تأتي من كل حدب وصوب، طبيعية إذا كانت هذه الممارسات منتشرة كالنار في الهشيم، حتى أصبحت عادة.