التقرير السنوي الشهير، الذي تصدره جامعة بنسلفانيا، يعتبر من أهم التقارير على مستوى العالم، لأنه يناقش عنصرا مهما وحيويا في حياة الأمم والدول، وهو عدد وجودة مراكز التفكير والتخطيط في تلك الدول (ثنك تانك)، مما يشير إلى قدرة البلدان على التخطيط لحاضرها ومستقبلها في كل المجالات.
وجود مراكز فكر وتخطيط إستراتيجي في مجالات متعددة بالدول ليس شيئا ثانويا، بل عنصر أساسي يدل على تقدم وحضارة الدولة. هناك دول قد لا ترى على الخريطة، ولديها أعداد من مراكز الفكر، وطبعا الدول الكبرى على حسب حجمها الدولي ومكانتها وتأثيرها العالمي، حيث إن ذلك يتناسب مع عدد مراكز التفكير لديها، عدا دولة واحدة هي استثناء!.
لعام 2021 عدد مراكز التفكير في أمريكا بجميع المجالات 2203 مراكز فكر. نعم الرقم صحيح، فأمريكا لديها أكثر من 2200 مركز فكر في جميع المجالات تقريبا!. وتأتي في المركز الثاني الصين بـ1413 مركز تفكير، وتأتي بعدها الهند بـ612 مركز تفكير، وبعدها بريطانيا بـ515 مركز تفكير. وتستمر القائمة للدول الكبرى والمؤثرة دوليا، حتى دول تعتبر صغيرة نسبيا لديها أعداد كبيرة من تلك المراكز مثل أوكرانيا، التي لديها 90 مركز تفكير، وكوستاريكا لديها 45 مركز تفكير، بل هناك دول لا ترى على الخريطة، وربما لم يُسمع بها أحد، ولديها مراكز تفكير عديدة مثل الدومينيكان (41 مركزا)، والإكوادور (36)، وبوليفيا مثلا لديها 82 مركز تفكير، وبنما لديها 18 مركز تفكير.
دول مجموعة العشرين لديها أعداد كبيرة من مراكز التفكير، لأن الدول التي لها وزنها ونفوذها في العالم تزيد فيها طرديا أعداد مراكز التفكير. لكن للأسف الفرق شاسع وكبير بين أعداد مراكز الفكر في بقية دول العشرين والمملكة العربية السعودية، فدولة مثل الأرجنتين، على الرغم من حالتها الاقتصادية، يوجد بها 262 مركز تفكير ودراسات إستراتيجي!، وللأسف عدد مراكز الفكر في المملكة لدينا فقط 13!!. نعم الرقم حقيقي ثلاثة عشر فقط. طبعا بون شاسع في الأعداد بين المملكة وبقية دول العشرين، على الرغم من التقدم الهائل الذي حدث بالمملكة خلال السنوات الأخيرة في كل المجالات، إلا أن أعداد مراكز الفكر والتخطيط الإستراتيجي بقيت قليلة للغاية فيها، وهذا لا يعكس التطور والنهضة الشاملة التي نعيشها، والقفزات الهائلة التي حدثت للمملكة بعد الرؤية الطموحة.
حتى على مستوى الشرق الأوسط، فأعداد مراكز الفكر في المملكة قليلة نسبيا إذا ما قورنت ببقية دول المنطقة الأقل نفوذا واقتصادا ومكانة دولية. كالعادة تتصدر إسرائيل وإيران أعداد مراكز الفكر والتخطيط الإستراتيجي بـ78 مركزا لإسرائيل، وقبلها إيران بـ87 مركزا. حتى على مستوى دول الخليج، فإن المملكة تقع في المركز ما قبل الأخير في أعداد المراكز الإستراتيجية.
قد يقول قائل: الجودة في مراكز الفكر لها دور. نعم هذا صحيح، والجودة عنصر أساسي، لكن العدد مطلوب، لكي تغطي عدة مجالات، وتزيد المنافسة بينها، ومن ثم الجودة. والتخصص أيضا مطلوب، فكلما كان المركز الفكري أكثر تخصصا كلما كان ما يصدره أكثر دقة. فائدة المراكز الفكرية ومراكز الفكر الإستراتيجي أنها تعطي صانع القرار خيارات محترفة عديدة، وقد تكون أيضا أكثر موضوعية. كمثال: صعب جدا أن تقيم الإدارات الحكومية نفسها، أو أن تضع تحليلا أو خطة معينة، وهي في وسط المعمعة، لذلك اختيار عنصر حيادي مثل مراكز الفكر قد يكون أكثر موضوعية في بعض الحالات. هذا غير أنها ممكن أن تعطي تقييما وحلولا إبداعية وابتكارية، وتنظر للأمور من زاوية مختلفة، مما يعطي صانع القرار أو الإدارة باقة متعددة من الخيارات.
الشئ الآخر المهم جدا حاليا هو أن مراكز الفكر ستقلل من المستوى الضعيف الذي يحدث حاليا في المنطقة ومحليا، وهو أن يخرج علينا بعض ممن يُطلق عليهم لقب «محللين» أو «إستراتيجيين»، وهم لا يعرفون «أ ب ج» في التحليل السياسي أو الأمني أو العسكري أو الدولي. عاشرنا مراكز الفكر الدولية والتحليل سنوات طويلة، وهناك لغة مشتركة مبنية على أسس علمية في مراكز التفكير العالمية الكل يتحدثها. أما ما يحدث من بعض المحللين المحليين، فلا يمت للتحليل الإستراتيجي بصلة، وممكن تسميته «سوالف فهلوة على جمعة شبة نار» أو «سوالف ليل»، لكنه قطعا ليس تحليلا سياسيا أو إستراتيجيا، فالعديد منهم لو سألته: أي مدرسة ستستخدم في تحليل وصناعة القرار لهذه القضية مثلا؟ لما عرف ما هي المدارس، فما بالك عندما تسأله: أي أسلوب ونظرية سيستخدم؟، أو لو طلبت منه يحلل ويقارن عملية استخراج القرار باستخدام نموذجين معدلين من مدرستين مختلفتين في السياسة الدولية.. إلخ من الأمور، التي نعتبرها من البديهيات في التحليل الإستراتيجي، ومراحل هندسة وتصميم الإستراتيجيات واتخاذ القرارات.
وزارة الثقافة لها دور كبير في هذا المجال إذا أردنا أن ننقل البلد نقلة حضارية، كما هي النقلات، بل القفزات التي نراها حاليا في كل المجالات، حيث إننا نحتاج إلى زيادة عدد مراكز الفكر الإستراتيجي في عدة مجالات، وتقديم الدعم لها، وأتمنى من الوزارة عاجلا النظر في ذلك. أكاد أجزم أن المسؤولين في الوزارة يسعون إلى المراكز المتقدمة عالميا، وهذا مجال حيوي، وللأسف نحن متأخرون فيه، سواء على مستوى المنطقة أو مجموعة دول العشرين. الوزارة تبحث عن مبادرات، لتحسين الثقافة في البلد، ولا يوجد أهم وأنبل، ويعكس مكانة البلدان، علما وثقافة، من وجود مراكز للفكر، متعددة وذات مستوى عال وجودة.