قدم مشروعَ بحثهِ إلى القسم المختص في إحدى كليات الآدابِ في إحدى الجامعات على أملِ القبول لدراسة الدكتوراه في قسم البلاغة والنقد. كان حماسه آنذاك واضحًا. الحماس الذي عبّر عنه الرسام والشاعر الإنجليزي وليام بليك (William Blake) (1757ـ1827) في رسالته لأحد أصدقائه، حيث قال: «أُعذر حماسي أو بالأحرى جنوني، فإنني أُصبحُ في حالةِ سُكْرٍ فكري كُلّما أمسكتُ بقلمي». فمشروع البحث يقوم على إخضاع إحدى «المدونات الفقهية» للنقد البلاغي. وقد شهد الكثير من المختصين من جامعات أخرى في الوطن العربي بصلاحية المشروع في «حقل البلاغة وتحليل الخطاب» واعتبروه «ريادة بحثية للجامعة». إلا إن ذلك الحماس انقلب إلى خيبة أمل.

كانت خيبة الأمل كالتي وصفها ايريك هوفر (Eric Hoffer) في كتابه، «الحالة العاطفية للعقل» (1955)؛ إذ ذكر هوفر أنها «نوع من الإفلاس». إذ أن «الروح تُفلس في إنفاقها الكثير على الأمل والتوقعات». فمشروع البحث لم يُقبل. وكان السبب: ما جاء في خطاب المشرف الأكاديمي، الذي نص على «عدم صلاحية الموضوع للدراسة في حقل البلاغة العربية لكون المدونة كتابًا فقهيًّا، وكتابة الفقهاء كتابة موضوعية تخاطب العقل والفكر، وليست كتابة ذاتية تخاطب الأحاسيس والوجدان». وكذلك ما جاء في قرار لجنة الأدب والنقد بالقسم، الذي أقر رفض مشروع البحث بسبب أن «مدونة الدراسة ليست أدبية».

وعلى الرغم من الإفلاس المعنوي الذي تعرض له هذا الطالب، إلا أن ذلك لم يُثنِ عزيمته. فرفع دعوى قضائية لديوان المظالم «المحكمة الإدارية»، يطالب فيها بإلغاء قرار اللجنة. فقد كانت عزيمته آنذاك ثابتة وكأنها تُغنّي «إنشودة» (Anthem) الروائي والشاعر الكندي ليونارد كوهين (Leonard Cohen) «اقرع الأجراس القادرة على الرنين.. هناك صدعٌ في كل شيء، هكذا يدخل الضوء». فتبريرات المشرف الأكاديمي وكذلك اللجنة للرفض ما هي إلا «صدعٌ» في جدارية أهداف الكلية والقسم المعلنة. فمن أحد أهم أهداف الكلية أن «علم البلاغة» كأحد الدراسات الإنسانية يجب ألا يتم «عزله عن محيطه»؛ كذلك، نص أحد أهداف القسم على أن يتم «توسيع نطاق الحقول المعرفية والتخصصات الموظفة في دراسة السرديات، وخاصة في حقل الدراسات الاجتماعية وعلم النفس». السؤال هنا، هو كيف لعلم البلاغة – كعلم يدرس الخطاب – أن يندمج في الحقول المعرفية الأخرى، إذا قصرناه على الأدب فقط؟

على الرغم من أننا لم نطلع على مشروع البحث ولسنا من ذوي الاختصاص في البلاغة، إلا أنه يظهر من «وقائع» القضية أن مقطع النزاع أو ما تسمى بـ«الإشكالية القانونية» تدور حول: ما إذا كان مشروع البحث الذي قدمه الطالب يصلح لأن يكون أحد بحوث الدكتوراه في تخصص البلاغة أم لا. فإذا وضعنا هذه الإشكالية في سؤال، يمكن القول: هل بلاغة الخطاب لا توجد إلا بالأدب؟ الجواب – بناء على ما جاء في وقائع القضية – هو أن البلاغة علم لا يمكن قصره على الأدب فقط. إذًا، الإشكالية التي واجهها الطالب ليست مدى ملاءمة موضوع البحث لدراسة الدكتوراه في تخصص البلاغة من عدمه. وإنما هي في أحقية الطالب في اختيار موضوع بحثه، وما مدى أحقية المشرف الأكاديمي في التدخل في اختيار موضوعات البحوث لطلاب الدكتوراه. في حقيقة الأمر، إن عدالة المحكمة وجدت أن ذلك يندرج تحت «السلطة التقديرية» للكلية في اختيار موضوعات بحوثها التي ترغب في تسجيلها كرسائل دكتوراه. وقد يكون ذلك صحيحًا، خصوصًا، في غياب النصوص النظامية في سياسات وإجراءات الجامعة التي تحفظ مبدأ «حرية البحث العلمي» أو ما يطلق عليها «الحرية الأكاديمية».

فــ«الحرية الاكاديمية»، كما عرفتها لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (CESCR) في تعليقها على المادة (13)، (حق التعليم)، من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دورتها (21) لعام (1999)، هي إتاحة مساحة من الحرية للمجتمع الأكاديمي «في متابعة وتطوير ونقل المعارف والأفكار عن طريق الأبحاث أو التعليم أو الدراسة أو المناقشة أو التوثيق أو الإنتاج أو الخلق أو الكتابة». وفي توصية اليونسكو (UNISCO) بشأن وضع أعضاء هيئة التدريس في التعليم العالي (1997)، في الفقرة (17) ذكرت أنه لا يمكن التمتع بالحرية الأكاديمية، إذا لم تكن هناك استقلالية ذاتية لمؤسسات التعليم العالي. وفي ظل تحول بعض جامعات المملكة إلى الاستقلال المالي والإداري تحقيقًا لرؤية 2030، نجد أنه من الأهمية أن تكون هذه الاستقلالية مصحوبة بتشجيع بيئة البحث العلمي وإعطاء الباحثين مساحة من «الحرية الأكاديمية»، مما يساهم في ازدهار تلك المؤسسات لتكون منافسة لنظائرها من الجامعات في العالم. وألا تكون هذه الاستقلالية الذاتية لجامعاتنا «لعنة» تطارد الباحثين عن العمل في المجال الأكاديمي أو الباحثين عن المعرفة فتتحول جامعاتنا إلى مؤسسات ربحية وملكية خاصة تتوارثها فئة قليلة من أفراد المجتمع.