من الخذلان أن يترك الإنسان بلده بلد الإسلام، ومأرز الإيمان، ويترك مجتمعه المسلم وقادته أنصار التوحيد، ويلحق بأعداء الإسلام، الذين يتخذونه أداة لتحقيق مآربهم، كما هو مشاهَد مع الأسف الشديد، هذا والله من البلاء والخذلان.

إنه لا يُعلَم في تاريخ المسلمين أن مسلمًا ترك بلد الإسلام مغاضبًا، وانحاز لغيرها، ليكون تحت تصرف أعداء الإسلام وتوجيهاتهم ونفقاتهم، بل الثابت أن الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، هجره المسلمون، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، وفي هذه الأثناء أتاه عرض استخباراتي من حاكم دولة مجاورة، وهو ملك غسان النصراني، وفيه: (بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك).

فهل قال كعب بن مالك رضي الله عنه: نعم، سآتيكم، فرارًا مما أجده في نفسي من الجفاء والهوان والضيق؟

كلا، ومعاذ الله أن يترك بلد الإسلام، ومجتمعه المسلم، ويكون أداة في أيدي أعداء الإسلام وبلادهم، وتحت تصرفهم ونفقاتهم، ليقضوا به مصالحهم السياسية.

فيالله ما أعقل كعب بن مالك: لقد أحرق مباشرة كتابهم المتضمن عرضهم، ورأى أن الاستجابة لطلبهم يُعَدُ: من البلاء والخذلان، فصبر، وصدق، وتحمّل العقوبة على خطئه، فكان عاقبة ذلك الخير والتوبة والسعادة، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن اعترف رضي الله عنه بخطئه بكل صدق ووضوح، ثم صبر على تحمل العقوبة المقررة على خطئه، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أبشر يا كعب بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك) ونزلت فيه وفي صاحبيه آيات تتلى في سورة التوبة، صحيح أن كعب بن مالك رضي الله عنه والمجتمع المدني آنذاك هم خير الناس، لأن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الصحيح أيضًا أن العبرة بعموم المعنى، لا بخصوص المخاطب.

فحريٌ بكل من انحاز إلى بلاد الكفار، ضد بلاده بلاد الإسلام، ومهبط الوحي، المملكة العربية السعودية، وضد قادة البلاد الذين هم أنصار التوحيد منذ ثلاثة قرون ولا يزالون بحمد الله، حريٌ به أن يتوب إلى الله، ولا تأخذه العزة بالإثم، بل يلزم جماعة المسلمين وإمامهم في هذه البلاد المباركة - المملكة العربية السعودية - فالرجوع إلى الحق فضيلة، والتوبة تجب ما قبلها، وليحذر من أن يكون أداة لأعداء الإسلام، الذين لا يريدون به ولا ببلاده خيرًا، وليضع يده مع مجتمعه ودولته وقيادته، ولا ينزع يدًّا من طاعة، ففي الحديث «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية» رواه مسلم، فأي عقوبة أعظم من أن يلقى الإنسان ربه ولا حجة له؟ وأي مصيبة أشد من أن يموت الإنسان ميتة جاهلية، والعياذ بالله؟

فالناصح لنفسه لا يلتفت إلى أهل التكفير والشبهات، الذين يملؤون قلبه حقدًا وغلا وتكفيرا، ليبقى معهم على ضلالهم، بل يتركهم، ويتوب إلى الله، مستحضرًا قوله تعالى:‏ ‏{‏‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}‏‏.