خلال حكم العرب، وصلت بعض القبائل العربية إلى تلك الجزيرة الموغلة في الصغر، والمهمة في الموقع، ومن بين هؤلاء، عُرفت الشاعرة ميمونة بنت حسان بن علي الهذلي السوسي، التي تناولتها الدكتورة ناديا لانزون، المُستعرِبة والكاتبة المالطية ببحث نشرته في نشرة «أفق» الإلكترونية الصادرة بتاريخ 20 ديسمبر الجاري عن مؤسسة الفكر العربي، تحت عنوان «ميمونة الهذلية شاعرة عربية من مالطا».
تحت تراب الجزيرة
تقول لانزون «ميمونة بنت حسّان بن علي الهذلي السوسي، شاعرة عربيّة مالطيّة بامتياز، مدفونة في تراب جزيرة هودج المالطيّة في 21 مارس 1173 ميلاديّة، ويقال إنّها من أوائل شاعرات وشعراء العرب والمُسلمين الذين رموا بذور الثيوصوفيّة الروحيّة الحكميّة التي عرفت انفجارها الكبير ومداها الأوسع في مطلع القرن الـ15، مع أنّ جذورها تعود إلى العصر اليونانيّ الهلنستيّ مع أمونيوس ساكس مؤسِّس الأفلاطونيّة الحديثة ومُوجِّه أفلاطونين أحد أعلامها الكِبار».
وتشرح «تفيد الثيوصوفيّة أنّ معرفة الحقّ والإيمان المطلق به، إنّما يتمّان في البدء عن طريق معرفة الذّات والإلهام الذاتي العميق.
غير أنّنا يجب أن نُحاذر تصنيف الشاعرة ميمونة في عداد شعراء المتصوّفة، كما تقول المُستعرِبة الإيطاليّة فرنشيسكا ماريا كوراو.
أمّا شاهد قبر ميمونة الهذليّة، وهو من الرخام الرومانيّ الخالص، فظلّ يَحفظ بنصاعته وقوّة مادّته ما حُفِرَ عليه من شِعْرٍ دراميّ جنائزيّ بالخطّ العربيّ الكوفيّ إلى يومنا هذا، حيث نُقل بعد اكتشافه في قرية «الشوكيّة» المالطيّة إلى منزل البارون دي بيرو، صاحب الأرض التي تمّ فيها الاكتشاف، والذي أودعه بدَوره المكتبة الوطنيّة في العاصمة المالطيّة فاليتا، إلى أن استقرَّ أخيرًا في متحف جزيرة هودج موطنها الأصلي، والذي تضمّه قلعة فيكتوريا في الجزيرة الصغيرة كدلالة تاريخيّة على أثر الوجود العريق للعرب والمُسلمين في مالطا».
وتكمل «نقرأ على الشاهد ما كانت الشاعرة قد أَوصت بتدوينه من شِعرها:
يا مَن رأى القبر قد بليت به
والتّرب غيّر أجفاني وآماقي
في مضجعي ومقامي في البلى عِبَرٌ
وفي نشوري إذا ما جِئت خلّاقي
أنظر بعينَيْك هل في الأرض من باقي
أو دافِع الموت أو للموت من راقي
الموت أخرجني قسرًا فيا أسفي
لم تُنجني منه أبوابي وأغلاقي
وصرتُ رهنًا لما قدّمت من عمل
محصى عليّ وما خلَّفته باقي».
جذور وانتماء
تنتمي ميمونة في جذورها الأولى إلى هُذيل، وهي قبيلة عربيّة حجازية (وليس نجدية كما تذكر الكاتبة) مُنافِسة لقريش، جعلتْ من مكّة المكرّمة مَوطنها الأمّ، وكانت لهجة هذيل واحدة من اللّهجات الرئيسة التي نزل بها القرآن الكريم. وعندما أَمَرَ الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله بإعادة جمْع الآيات والسور ونسْخها وتوحيدها، اعتمد لهجة قريش، وجعل المُملي من هذيل، والمُدوَّن من ثقيف، لفصاحة الهذلي وتضلُّعه باللغة وعدم لحنه فيها.
الهجرة غربًا
تمدَّدت قبيلة هذيل لاحقًا، من الجزيرة العربيّة إلى مصر وساحل الشمال الأفريقي، واستوطنت بشكل مكثّف في تونس، ومارست تجارتها في مدينة سوسة، والتي أقيم فيها مركز ضخم لصناعة السفن الحربيّة القديمة (سُمّي بـ «دار الصناعة»)، والتي رَكِبَ بعضها لاحقًّا بحّارةٌ قادهم القيرواني أسد بن الفرات، ففتحوا جزيرة مالطا، ومن بعدها صقلّية.
وَرثت ميمونة عن أجدادها في نجد والشمال الأفريقي، الفصاحةَ وقولِ الشعر، وربما كان هذا طبيعيًا، فـ«هذيل أشعر العرب» بحسب حسّان بن ثابت، ووصفها ابن جنيّ، كبير نحّاة العرب، بـ «هذيل أفصح العرب». واعترف سيبويه بأنّه «لولا هذيل لضاعَ أكثر من نصف اللّغة العربيّة».
ضياع الشعر
ضاع جلّ شِعْرَ ميمونة، بالرغم من تقدم التدوين وقتها في مالطا، خصوصًا زمن الأغالبة المُسلمين الذين استولوا على الأرخبيل المالطي عام 870 للميلاد، وأنشأوا فيها لاحقًا «دولة الأغالبة» تيمّناً بمؤسّسها إبراهيم بن الأغلب، الذي كان واليًّا على أفريقيا بتكليفٍ من هارون الرشيد، ابتداءً من العام 787، ثمّ استقلّ بالحُكم عام 800. لا يجزم أحد بتاريخ هجرة ميمونة من سوسة إلى مالطا، لكن المُستعرب الإيطالي أومبرتو ريتستانو (1913 - 1980) يّرجّح أنّها هاجرت في مرحلة هجرة شعراء هذليّين من تونس والجزائر إلى مالطا العربيّة/ الإسلاميّة واستيطانها، ومنهم عثمان بن عبدالرّحمن (ابن السوسي الهذلي)، وعبد الرّحمن بن رمضان المالطي، وهذيل بن محمّد بن حسن الهودجي المالطي، وحمد ابن إبراهيم بن حسين السوسي.. وذلك بعد مرور أكثر من 5 عقود من سيطرة العرب والمُسلمين الأغالبة على صقليّة ومالطا.
وضياح شعر ميمونة يعود إلى تداوله شفويًّا، وأنّ بعضه نُسب إلى شعراءٍ هذليّين وغير هذليّين في شمال أفريقيا.
ويرى المُستعرب ريتستانو أنّ خلطًا جرى ويجري أيضًا بين شعر ميمونة الهذليّة وقصائد شاعرة هذليّة أخرى تدعى «جنوب»، ضاع هي الأخرى معظم شعرها، ولم يتبقّ منه إلّا بضع قصائد.
ويروي المُستعرب ريتستانو أنّه قرأ في أوّل شبابه مقالًا في إحدى المجلّات الأدبيّة الإيطاليّة القديمة يتناول كاتبه الشعر العربي الصقلّي - المالطي القديم، يَرِدُ فيه اسم الشاعرة ميمونة الهذليّة مع نصٍّ شعريّ قصير لها منقول من اللّغة العربيّة إلى الإيطاليّة، وهذه ترجمته عن الإيطاليّة:
«شرِّعوا الأبواب للأنوار الآتية من السماء/ حتّى لا يتهدّم كيانُ الإنسان على حاله في هذه الدنيا/ أو يعيش غربة كاوية لروحه فيها/ أو يمتلىء بالوحشيّة والأنانيّة/ شرِّعوا هذي الأنوار إذًا/ ومجّدوها/ فالوجود كلّه، حياة يلفّها الموت/ أو موت ينهش كلَّ ما في الحياة/ مسكين إذًا هو الإنسان/ منذ البداية وإلى النهاية/ إنّه يسيل في نفسه/ ليجفّ في آخر المطاف/ تماماً مثلما يسيل العطر من الزهرة/ لتصير بعده قشّةً يابسة».
شاعرة مجرّحة بالعالَم
تجزم لانزون أن «ميمونة الهذليّة شاعرة وجوديّة مجرّحة بالعالَم، وبنفسها، وبالمصير الفردي والجماعي للجنس البشري برمّته، وهي تُدرك ألا خلاص إلّا بالإيمان بالله، واليوم الآخر، وإتباع تعاليم الإسلام، ونهج النبي العربي الكريم الذي أرسله ربّه رحمةً للعالَمين. ومن هنا هي تنفتح كمُسلمة مؤمنة على الأديان السماويّة الأخرى، وترى فيها مُشتركاتٍ واحدة في جوهرها، مُختلفة في شكلها».
وتضيف في بحثها «إذا أردنا تصنيفَ الدائرة الفكريّة/ الإيمانيّة لميمونة الهذليّة، بعيدًا من حشْرها في خانة الصوفيّين (عملًا بمقولة المُستعرِبة فرنشيسكا كوراو)، فإنّنا نرى أنّها تنتمي إلى فضاء الوجوديّة المؤمنة، والتي من فلاسفتها الكبار: سورين كيركيجارد، وجابرييل مارسيل، وكارل ياسبرز. وميمونة تشترك معهم، في النّظر إلى الإيمان بالله كفعلٍ جوهريٍّ وأخلاقيٍّ ومعرفيٍّ إبيستمولوجيّ، من شأنه أن يكسر، وبقوّة، سلطة القلق الوجودي للإنسان، ويجعل إيمانه، تأمُّلٍ وتفكُّر مُستغرق في النَّفْس والعالَم والإنسان وميوله، وعواطفه، وميزان أعماله ومصيره بين يدَيْ خالِقه. ومن هنا فإنّ الإيمان، من وجهة نظرها، لا يتحقّق بالنيابة البتّة، وإنّما هو تجربة ذاتيّة».
وتحسم الأمر «ميمونة الهذليّة شاعرة مؤمِنة في قلبها وعقلها معًا، ولذا تدعو إلى مُراجَعة درس الحياة/ الدنيا، والعكوف على نقده من أجل آخرة الإنسان، ودائمًا وفقًا لنجوى النَّفس.. نفسها، وقوّة العقل.. عقلها».
سؤال الموت والفناء
يتطرق البحث إلى أن استعراض نِتاج شعراء هذيل، قديمًا وحديثًا، يؤكد أن معظمه يلحظ سؤال الموت أو الفناء، فقد أَقضّ مضاجعهم، وحيَّر عقولهم، وبعثَ الرعبَ في قلوبهم،وهُم لا يملكون إزاءه أيّ جواب، اللّهم إلّا جواب الإيمان والتسليم بقضاء الله وقدره.
والإنسان، كما يقول عُلماء الإنسان، هو الكائن الوحيد بين المخلوقات الحيّة الذي يُدرك مُسبّقًا هول حقيقة فنائه إدراكًا يفوق في أبعاده أيّ معضلة أخرى تتحكّم به. وممّا يزيد هذا الأمر تعقيدًا على تعقيد، هو أنّ تجربة الموت نفسَها، كانت وستظلُّ تجربةً فرديّةً خالصةً وغيرَ قابلة للتكرار والإنابة.
ميمونة الهذلية
شاعرة عربية تنتمي إلى قبيلة هذيل.
توفيت في مالطا في 21 مارس 1173 ميلاديّة.
ضاع جل شعرها لأنها كان يتداول شفويًّا.
صنفت شاعرة صوفية ووجودية.
شغلت في شعرها بسؤال الموت أو الفناء.