بعض الزملاء الأعزاء من الأطباء زعلانين لأني كتبت سابقا أن أفضل الوزراء الذين أداروا وزارة الصحة لم يكونوا أطباء، بل كان أداء الوزراء غير الأطباء أفضل من الأطباء، وهذا رأي شخصي لا ألزم أحدا به. لكن البعض كان عنده تصور أن الطبيب لازم يكون نابغة بكل شيء، بالإدارة وغيرها، مع أن مجال الإدارة علم وفن، وأيضا موهبة يختلف عن الطب، وكل مجال له قوانينه وأسسه ومهاراته، وربما هذا ناتج عن فكرة زرعت سابقا في الصغر أن أحسن تلميذ في الفصل يذهب للطب، وربما البعض أيضا ضخم اعتقادا خاطئا للفكرة بأنه إذا تقدر على الطب فأنت قادر على كل شيء !.
اعتقادي أن الأطباء كذكاء وفهم مثل بقية البشر يتفاوتون، ولكن الله أنعم عليهم بأن دخلوا هذا المجال الإنساني، وتشرفوا بخدمة البشرية.
كتبت سابقا وأعتقد -دون تحيز- أن الأطباء السعوديين من أفضل الأطباء مستوى على الصعيد الدولي، سواء الغالبية داخل المملكة أو خارجها، لكن هذا لا ينطبق كليا على الإدارة التي سببت العديد من المشاكل لسنوات. حسب معرفتي لم أر طبيبا قياديا بالصحة إلا واحدا وهو الدكتور فهد العبدالجبار (الذي لا تربطني به أي علاقة شخصية) لكن أفعاله واستراتيجيته تشهد على نبوغه الإداري وقدرته على إحداث التغيير، أما البقية، مع كامل الاحترام، فقط كان مجرد امتداد طبيعي مع الوقت ومسايرة لأفكاره.
مشكلة الطبيب السعودي في الإدارة تتلخص في ثلاثة عناصر: العنصر الأول المنافسة، الطب إلى حد ما مجال تنافسي، لذلك ربما البعض يشعر بالمنافسة إذا أحضر له في قسمه أو مستشفاه ندا قويا قد يسرق بعض الوهج منه، أو ربما ينافسه على المنصب والترقيات، لذلك هذا حيد في بعض الأحيان من استقطاب الكفاءات، ومع الوقت يقل الأداء الإداري والطبي لعدم وجود الخيارات.
العنصر الثاني التعليم والتدريب، للأسف بعض الأطباء ربما كان طبيبا ممتازا، لكن لم يكن معلما جيدا، وسأضرب مثالا -على الأقل في مجال أعرفه- جراح القلب الدكتور محمد راشد الفقيه، كلما حل ذكره، الناس تذكره بخير ليس فقط لأنه كان جراحا ماهرا ولكن كان معلما ومدربا رائعا وتخرج العديد من تحت يده، لكن العديد من تلامذته أو أقرانه لم يحذو حذوه، ولم يعلموا الجيل الذي بعدهم باحترافية، فأنا أستغرب صراحة أن البعض يطلق عليه حتى لقب أكاديمي أو أستاذ بمختلف درجاته، وهو لم يدرس ويعلم خلال سنوات حياته الأطباء الجدد أيا من المهارات الأساسية، بل لم يعطهم الفرصة للتدرب معه مما أبعد الكثيرين عنه، وحتى يبقى الوهج له فقط !. كيف لك أن تطلق على أحدهم معلما أو أستاذا وهو لم يؤد واحدة من أهم الرسائل الإنسانية في الطب وهي نقل العلم والتدريب الفعال. الجميع يهتم بمرضاه ولا يعنيه تدريب الآخرين، إن هذا سيقلل من مستوى الرعاية الصحية، بل إن من يعتقد ذلك فهو لا يثق بمهارته وقدرته على إنجاز المهمتين بنجاح، ببساطة مشاركة العلم رسالة مقدسة !.
العنصر الثالث -وهو أبو المشاكل- عدم وجود حد أو فترة محددة للمنصب الإداري، بعض المناصب الإدارية للأطباء تحس أنك بمتحف، كأنه إلى حد ما يشبه أحفورة أو ديناصورا، يبقى متعلقا بالمنصب لسنوات طويلة، لذلك يحارب كل منافس محتمل بل كل جديد وطبعا عدم المنافسة تؤدي للتدهور. تصور معي السيناريو التالي، لو وضع حد أعلى للطبيب بالمنصب الإداري، أربع أو ست سنوات كحد أقصى، فإن الشخص سيسعى في النصف الأول من فترته لعمل أشياء وتغييرات حثيثة حتى تصبح جزءا من إرثه وتاريخه، وفي النصف الثاني سيبحث عن أفضل من يخلفه ويسانده حتى لا يخرب ما بناه، لذلك ستجد سلاسة في التدوير والتطوير والأفكار الجديدة مع كل مدير وأيضا اختيار الأنسب.
لذلك أعتقد لحل المشكلة الإدارية في كثير من المرافق الصحية وخصوصا الكبرى منها، هي وضع واستقطاب إداريين مختصين، مثل الرئيس التنفيذي للشركة، ولديه مجلس إدارة لتقييم عمله وإنتاجيته، وإذا كان لا بد من تكريم لبعض الأطباء لم لا يوضعون كرؤساء مجلس إدارة أو شرفيا ؟ كما أرى أن يعمم ألا يكلف الطبيب إداريا أكثر من 4-6 سنوات، ويجب أن يرجع للشغف والمتعة، أي لمهنته الأصلية. ولا يزعل الأطباء، هل يذكرون نقاشهم في مجالسهم عندما يأتي مريض قرأ كم مطوية وخبرا عن السكر، ويجادل طبيبا أمضى 14 سنة من حياته من أجل أن يصبح استشاري سكر، الشيء نفسه عن الإدارة، هي علم بذاته.
الآن يوجد توجه لتخصيص المستشفيات، وخصوصا الكبرى، أرى استقطاب الخبرات الإدارية المحنكة لإدارة المستشفيات، وتوضع كثير من الإدارات الحالية بين خيارين، إما أن ترجع لممارسة الطب أو توضع تشريفيا كمجالس إدارة.
لقد سعدت جدا بالإنجاز الكبير للدكتور هاني نجم مؤخرا وليس غريبا عليه، وقد كتبنا سابقا عن الأطباء اللامعين وذكرنا هاني نجم وزملاءه مثل البرفيسور العمران، وغيرهم كثير سابقا في مقال (من سيكون بطل الصحة). ونرجع لمثالنا عن كريستيانو رونالدو لو رجع يلعب حواري أو درجة أولى ومصيره؟، عندنا في البلد العديد من الأطباء الفريدين مثل كريستيانو في الكرة سواء داخل البلد أو خارجه، لكن يجب أن تهيئ لهم البيئة السليمة الصحية للمبدع حتى يبدع، فلا تضع عليه مديرا بيروقراطيا يحجمه، ولا طبيبا إداريا يغار منه ويحاول يطفشه، ولست أعني شخصا بذاته. هذا غير مشكلة الكادر الصحي وما أدراك ما الكادر الصحي الذي حجم وقلل الإبداع الطبي في البلد.
الرؤية الجديدة تعتمد على الإبداع والابتكار واستقطاب المواهب بشتى المجالات، ولكن وجود بعض العقليات الحالية التي تفتقد لإدراك الرؤية، ولا تملك أصلا المهارات لمواكبة الرؤية، إما بسبب نقص في الكفاءة أو حب عدم المنافسة، وألا يظهر لها منافس أمر سلبي. ربما آن الأوان لاستقطاب إداريين مهرة وعالميين، هل تعتقدون لو كان هناك إداري عالمي محنك يدير مستشفياتنا الكبرى، سيفرط في استقطاب جراحين وأطباء مهرة مثل الدكتور نجم أو غيره، ويهيئ لهم كل ما يحتاجونه ليبدعوا، لأنه يريد لمستشفاه أن يلمع عالميا، ولست هنا أطالب كل طبيب خارج المملكة أن يرجع فكل حسب ظروفه ورغبته، وربما يخدم المملكة وهو بالخارج أفضل، لكن ربما تصبح البيئة في البلد أكثر جذبا لجميع المواهب من كل جنسيات العالم.