في بداية نوفمبر الماضي ظهر هاشتاق #JeanMichelTrogneux، بعدما نشرت صحيفة Faits&Documents (حقائق ووثائق)، التي تتبع لليمين المحافظ الفرنسي، مقالا للصحفية Natacha Rey «ناتاشا ري»، في بداية سبتمبر الماضي، كما جاء في صحيفة Independent.ie، حيث زعمت «ري» أن مقالها جاء نتيجة ثلاث سنوات من البحث والتقصي عن حياة السيدة الأولى لفرنسا Brigitte Macron «بريجيت ماكرون»، حتى توصلت إلى أن السيدة بريجيت وُلدت ذكرا باسم «جان ميشيل ترونيو»، أي أن السيدة بريجيت تحولت إلى امرأة بعملية تجميلية. أصبح الهاشتاق «ترند» في ديسمير الجاري، مما تسبب في حرج للسيدة بريجيت من خلال إطلاق الشائعات الكاذبة حيال «هويتها الجنسية». الكثير من المحللين ذكر أن هذه الشائعة، التي تمس زوجة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ما هي إلا محاولة لتشويه سمعة السيد ماكرون، وذلك لقرب وقت الانتخابات، التي سوف تبدأ في أبريل 2022، وفقا لما في موقع BBC NEWS الإلكتروني. وردا على هذه الشائعات المضللة، أكد محامي السيدة بريجيت، Jean Ennochi «جان إنوتشي»، أنه تم البدء في الإجراءات النظامية للرفع إلى المحكمة.

السؤال هنا: هل نستطيع أن نقول إن ما قامت به الصحفية «ري» في نشرها مقالا عن «الهوية الجنسية» للسيدة بريجيت، بناء على بحث أجرته لثلاث سنوات – كما تزعم – يندرج تحت «حرية التعبير»، المنصوص عليها في القانون الفرنسي، والمواثيق الدولية التي أصبحت فرنسا طرفا بها، خصوصا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (الاتفاقية)؟. لا يمكن أن تكون الإجابة اختيارية بـ«نعم» أو «لا». في هذا السياق، يمكن لنا أن نستحضر قضية Claudio Riolo «كلاوديو ريولو» ضد الحكومة الإيطالية (Riolo v. Italy)، فالسيد ريولو كان باحثا في العلوم السياسية بجامعة باليرمو في 1994، ونشر مقالا، عبارة عن بحث علمي، في جريدة Narcomafie «ناركومافي» الإيطالية بعنوان «المافيا والقانون»، ينتقد به سلوك السيد Musotto «موسوتو»، الذي كان يشغل منصب رئيس مقاطعة باليرمو، وكذلك يعمل محاميا، حيث كانت الانتقادات بسبب أن «موسوتو» كان يترافع عن أحد المتهمين بقتل جيوفاني فالكوني، وهو أحد القضاة الناظرين بإحدى قضايا المافيا. وفي 1995، أقام «موسوتو» دعوى قضائية ضد «ريولو»، بهدف التعويض عن «تشويه السمعة». وفي العام نفسه، أُعيد نشر المقال في الصحيفة الوطنية Manifesto II «مانيفستو». وفي 2000، حكمت محكمة مقاطعة باليرمو ضد «ريولو» بأن يدفع لـ«موسوتو» ما يقارب 44615 يورو، أي ما يعادل 223075 ريالا تقريبا، حيث رأت محكمة باليرمو أن «ريولو» شن هجوما شخصيا على «موسوتو». كما أن «القارئ العادي» قد يستنتج من قراءته المقال أن «موسوتو» يُدافع عن مصالح المافيا. علاوة على ذلك، رأت المحكمة أن بعض التعبيرات التي استخدمها كاتب المقال تجاوزت حدود النقد المقبول لوضع «موسوتو». كما أن نشر المقال لاحقا في إحدى الصحف الوطنية تسبب في ضرر أكبر للمدعي. وفي 2002، تقدم «ريولو» لمحكمة الاستئناف، إلا أنها رفضت النظر في الدعوى. وفي 2007، أقام دعوى قضائية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (المحكمة الأوروبية).

رأت المحكمة الأوروبية أن الدور المزدوج الذي لعبه «موسوتو» كموظف رفيع المستوى في الحكومة المحلية، ومحام لأحد المتهمين في إحدى القضايا الخطيرة، مدعاة لإثارة الشك. وبالتالي، شكلت مقالة «ريولو» جزءا من مناقشة المصلحة العامة. فـ«موسوتو»، منذ 1994، أصبح موضوع العديد من المقالات الصحفية. وبما أنه سياسي بشغله منصبا رئيسيا في الحكومة المحلية، وكذلك محام يترافع عن أحد المتهمين في محاكمة كبرى للمافيا، فمن المفترض أنه كان يعلم أن أفعاله تخضع لفحص دقيق من قِبل الصحافة، ويُعرِّض نفسه لانتقادات حادة. وكما أضافت المحكمة الأوروبية، فإنه على الرغم من ذلك، فإن هذه الحقيقة لا تحرم «موسوتو» من الحق في افتراض براءته، وألا يكون موضع اتهامات لا أساس لها على الإطلاق. بالإضافة إلى ذلك، ذكرت المحكمة أنه بعد فحص المقال، تبين أنه لا يحتوي على عبارات تشير صراحة إلى أن «موسوتو» قد ارتكب أي جريمة، أو أنه قام بحماية مصالح المافيا. وفيما يتعلق بالتعبيرات الساخرة التي استخدمها «ريولو» في مقالها، رأت المحكمة الأوروبية أن حرية الصحافة تشمل أيضا إمكانية اللجوء إلى الاستفزاز. علاوة على ذلك، كما أكدت المحكمة، فإن التعبيرات التي استخدمها المدعي لم تصل إلى حد الإهانات، ولا يمكن القول بأنها هجوم لا مبرر له. وفيما يتعلق بدفع مبالغ التعويضات، أكدت المحكمة الأوروبية أن ذلك أثنى عزيمة الكاتب عن الاستمرار في مناقشة الموضوعات المتعلقة بالمصلحة العامة. لذلك، رأت المحكمة أن الحكم الصادر من المحكمة الإيطالية المحلية ما هو إلا انتهاك للمادة «10» من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المتعلقة بـ«حرية التعبير».

ومن خلال مراجعة هذه القضية، المتعلقة بحرية التعبير والصحافة، هل نستطيع القول إن ما تعرضت له السيدة بريجيت من إطلاق شائعات مضللة عنها ما هو إلا ممارسة لحرية التعبير وحرية الصحافة؟. كما أن السيدة بريجيت ليست الأولى - كما ذكرت euronews في موقعها الإلكتروني - التي تعرضت لمثل هذه الادعاءات، حيث تعرضت السيدة Michelle Obama «ميشيل أوباما»، وكذلك رئيسة الوزراء النيوزيلندية السيدة Jacinda Ardern جاسيندا أرديرن، لمثل هذه الشائعات التي لا تمت للحقيقة بصلة.